بعض ممارسات صناعة الصيدلانيات

|


تتميز صناعة الصيدلانيات بعدد من الخصائص التي تختلف عن كثير من الصناعات الأخرى. ومن أبرز تلك الخصائص أن معظم الأدوية تصرف بوصفة طبية سواء من قبل طبيب في معظم الأحيان والدول، أو صيدلي أو ممرض في بعض الدول. ويترتب على هذا انتقال قرار صرف الأدوية واستهلاكها من المريض "المستهلك" إلى الممارس الطبي. يوفر هذا الانتقال مجالا لاستغلال بعض المؤسسات الطبية أو الممارسين لصنع قرار صرف الأدوية دون التقيد بتعظيم مصلحة المرضى. ونتيجة لذلك قد تتضرر منافع مستهلكي الأدوية من خلال محاباة منتجين معينين، أو وصف أدوية فوق الحاجة، أو وصف علامات تجارية مرتفعة السعر مع توافر بديل أرخص، أو وصف أدوية أقل جودة أو مسببة لمخاطر صحية. وقد ذكر لي أحد الأشخاص أن طبيبا صرف له دواء بستة أضعاف سعر البديل المتوافر الذي يختلف عن البديل في نوع قنينته فقط. وهذا لا يعني شيوع هذه الممارسات في كل الدول وكل الحالات، فقد تكثر الممارسات في بعض الدول والحالات وقد تقل. ومن المشاهد في دول عديدة مساهمة الممارسات غير الأخلاقية في رفع تكاليف العلاج والرعاية الصحية.
من جهة أخرى يباع كثير من الأدوية دون الوصفة الطبية التي تروج لها الشركات المنتجة والمسوقون في وسائل الإعلام أو في منافذ بيع الأدوية لتحفيز استهلاكها، ما قد يقود إلى المبالغة أو الاستخدامات الخاطئة في استهلاكها ويولد مخاطر على المستهلكين. وتنفق شركات الأدوية مبالغ ضخمة على الإعلانات لتشجيع استهلاك الأدوية قد تقارب أو تفوق المبالغ المخصصة للأبحاث والدراسات في بعض الشركات.
من جهة أخرى، يوجد كثير من الأدوية التي تسبب إدمان المرضى عليها أو تحتوي على مركبات كيمائية مخدرة. وتقود التصرفات غير الأخلاقية لقلة من الممارسين الصحيين إلى التساهل أو محاباة البعض في صرف هذه الأدوية ما يؤدي إلى إدمان المرضى عليها. وهناك حالات كثيرة لأشخاص مشهورين كانوا يتعاطون أدوية مخدرة بوصفات طبية أدت إلى وفاة عديد منهم.
من خصائص هذه الصناعة اقترانها في كثير من الدول بالتأمين الصحي الذي يعمل على توزيع تكاليف مخاطر الأمراض على السكان مقابل اشتراكات معينة تغطي كل أو معظم تكاليف الأدوية المصروفة بوصفة. يدفع المرضى في حال تمتعهم بتأمين صحي جزءا محدودا من تكاليف الأدوية ما يخفض سعر الدواء في نظر المريض وقد يقود إلى المبالغة في استهلاكه. وقد يشجع وجود تأمين طبي، الممارسين الطبيين أيضا على وصف أدوية مرتفعة السعر أو المبالغة في أسعار الأدوية المستخدمة في العلاج داخل المستشفيات أو زيادة جرعات الأدوية أو وصف أدوية لا حاجة إليها. وهذا يرفع بالطبع تكاليف العلاج ويقود إلى زيادة تكاليف التأمين الطبي لاحقا أو قد يلحق الأذى بالمرضى. في حالة توافر أدوية مجانية من خلال الرعاية الصحية العامة قد تنشأ بعض الممارسات غير الأخلاقية المتمثلة في المبالغة في استهلاكها من بعض المرضى من خلال استغلال الصلات الشخصية والحصول على كميات مبالغ فيها، في المقابل قد يحرم مرضى آخرون من الدواء بسبب عدم توافر كميات كافية تغطي احتياجات كل المرضى.
تحاول شركات الأدوية التأثير في صناع القرار في دول العالم لتبني سياسات معينة أو الحد من تأثير صنع القرار في صناعتهم أو رفع أرباحها. وتنفق هذه الشركات مبالغ طائلة في أنشطة الضغط والتأثير في صنع القرار، ما قد يقود إلى تبني قرارات وسياسات لا تعظم منافع المرضى. ومن أبرز تلك الأنظمة والسياسات الحاكمة لصناعة الصيدلانيات سياسات تراخيص واستيراد الأدوية، وبراءات الاختراع التي تمنح الشركات مددا طويلة لاحتكار إنتاج الأدوية الجديدة. وقد ينتج عن هذه السياسة الحد من المنافسة وتمكين المنتج الوحيد من تحديد كمية الدواء المعروض في الأسواق ورفع سعره بشكل كبير فوق التكاليف، ما يعظم أرباح المنتجين على حساب المستهلكين. وهناك عدد من المؤشرات الإحصائية التي تشير إلى ارتفاع العائد على الاستثمار في الشركات المطورة للأدوية مقارنة بالشركات الأخرى. وكثير من الدول النامية تتذمر من احتكار الأدوية الفعالة في علاج عديد من الأمراض من قبل شركات كبيرة في الدول المتقدمة ما ينتج عنه أضرار بالغة على المرضى في الدول الفقيرة. ويسمح استعداد المرضى للحصول على الأدوية حتى لو ارتفعت أسعارها "منحنى طلب غير مرن" لمحتكري الأدوية الجديدة ومسوقيها برفع الأسعار لمستويات مرتفعة. ونظرا لأن منتجي ومسوقي الأدوية يعملون وفق مبادئ السوق التي تركز على تعظيم الأرباح بدلا من تعظيم الرفاهية الاجتماعية، فقد تنتج ممارسات غير أخلاقية تضر بالمرضى. ويتعين على الحكومات التصدي لها من خلال الأنظمة والتشريعات التي تحد من هذه الممارسات. ولكن تبقى في الوقت محفزات لتطوير الأدوية التي تحتاج إليها البشرية للتصدي للأمراض وكل المخاطر الصحية.

إنشرها