طائرة A380 واستراتيجية «بوينج» للتلاعب والاستدراج

|

في يوم 14 من شباط (فبراير) الماضي أعلنت شركة "إيرباص" الأوروبية، قرارها بإيقاف التصنيع لطائرتها الشهيرة والعملاقة A380، وذلك لضعف الطلب خصوصا بعد قيام «طيران الإمارات» بإلغاء طلبية سابقة، هنا يسدل الستار على واحد من أكثر مشاريع الطيران تكلفة حول العالم وبخسائر كبيرة على الشركة، لكن الذي لا يعلمه كثيرون أن خلف هذا الخبر قصة تعود جذورها إلى تسعينيات القرن الماضي، وفيها استطاعت شركة بوينج "المنافس الأقوى"، التلاعب بشركة إيرباص بدفعها نحو هذه المغامرة وإشغالها واستهلاكها في هذه السوق، بينما اتجهت "بوينج" إلى سوق أخرى، كيف حدثت هذه القصة؟
كما نعلم هناك تنافس قديم بين الشركتين، خصوصا من قبل "إيرباص" التي تعاني قوة واحتكار "بوينج" لسوق الطائرات الكبيرة عبر طائرتها العملاقة 747 التي تبلغ من العمر أكثر من 50 عاما، حتى تسعينيات القرن الماضي لم يسبق لـ"إيرباص" الدخول في هذه السوق، ولذلك ظل كحلم يراود الشركة، وفي الوقت نفسه تشعر بالغيرة من "بوينج"، حيث إن "بوينج" تملك التقنية والسبق والمعلومات حول هذا القطاع، في أوائل التسعينيات أخذت شركت بوينج تدرس خياراتها الاستراتيجية في السوق والتطوير، في ذلك الوقت كانت هناك استراتيجيتان أمامها، الأولى التركيز على تصنيع طائرات تخدم سوق ما يعرف بـHub-and-Spoke أو طائرات تخدم سوق Point to Point، الأولى يقصد بها سوق الرحلات ذات الخط المزدحم، بمعنى آخر من مطار رئيس كبير إلى مطار رئيس كبير، والمسافرون في هذه الحالة يلجؤون إلى التنقل بين أكثر من مطار وأكثر من طائرة للوصول لوجهتم النهائية "ترانزيت"، يقوم هذا النموذج على خدمة أكبر عدد ممكن من المسافرين في الرحلة الواحدة، حيث يتحقق نموذج الربحية من الإشغال العالي للرحلة بسبب ارتفاع تكاليف الطائرة والرحلة بشكل عام، ولهذا فإن هذا النوع يحتاج إلى طائرات عملاقة لنقل هذا العدد الكبير، أما النوع الآخر فيقوم على قيام الطائرة برحلات متعددة وسريعة متنقلة من مطار إلى آخر على عكس الأولى، التي لا تستطيع التنقل بالسرعة نفسها ولا خدمة المدن غير المزدحمة؛ ولذلك فإن هذه الطائرات تقوم بعدد رحلات أكثر من الطائرات العملاقة في اليوم الواحد، وهذه الطائرات هي من النوع المتوسط الحجم.
هذه الخيارات كانت مطروحة أمام الشركتين المصنعتين للطائرات، وكان اتخاذ قرار استراتيجي لإحداهما مهما ومؤثرا إلى درجة كبيرة، حيث يؤثر في الشركة لسنوات طويلة يستهلك منها الموارد المالية والتطويرية والموظفين، لذلك كان من المهم بمكان أن تتم دراسة السوق واتجاهاتها بعناية قبل اتخاذ مثل هذا القرار، بحكم أن "بوينج" تعرف سوق الطائرات العملاقة؛ فلديها البيانات حول الطلبيات، ولهذا لاحظت هبوط الطلبات في السنوات الأخيرة، ما يشير إلى تغير في السوق، لكن ولكي تتأكد، طلبت في عام 1993 عمل دراسة سوقية، لكن الغريب "وغير المفهوم في وقتها" أنها عرضت عمل هذه الدراسة بالتشارك مع "إيرباص" التي وافقت فورا أملا منها في الحصول على معلومات أفضل حول هذه السوق، وهذه خطوة شديدة الذكاء من "بوينج" للإيحاء للمنافس باهتمام "بوينج" بتطوير نموذج جديد من طائرتها 747 القديمة والاستمرار في سوق الطائرات العملاقة، لكن العجيب أنه بعد عام من بدء الدراسة أعلنت "إيرباص" خططها لتطوير مشروع لبناء طائرة عملاقة، وفي عام 1995 تم التخلي عن الدراسة. هنا يجب أن نتوقف لتفسير ما حدث، يرى كثير من المختصين في قطاع صناعة الطيران أن "بوينج" اتبعت سياسة تلاعبت فيها بـ"إيرباص" لحثها على الاتجاه إلى الاستثمار في هذه السوق، مستغلة معرفتها للتعطش لدى المنافس بأن يدخل هذه السوق والرغبة الشديدة لدى "إيرباص" للتغلب على "بوينج"، ولمعرفة "بوينج" أن الاتجاه في المستقبل ليس إلى هذا النوع من الطائرات، وذلك من البيانات الخاصة داخل الشركة ومن الحديث مع عملائها من شركات الطيران ومن النتائج التي جاءت من الدراسة، والتي -وهنا الخطأ- لم تأخذ بها شركة إيرباص أو لم تكن موضوعية في تحليلها، وهو ما يعد في علم المالية السلوكية بالتحيز التأكيدي Confirmation Bias، حيث أخذت ما يؤكد رغبات المسؤولين نحو المنافسة في هذه السوق، ولذلك وفي عام 2000 تم إطلاق المشروع بشكل رسمي وبتكلفة تطويرية ضخمة تقدر بـ9.5 مليار يورو، في عام 2005 ظهرت أول نسخة من هذه الطائرة، لكن بعد أن ارتفعت تكاليف التطوير إلى 18 مليار يورو، ما يعني ارتفاعها بنسبة 90 في المائة تقريبا، وهو ما يعني أنها يجب أن تبيع عدد طائرات أكبر من المقدر للوصول إلى نقطة التعادل، وهذا يزيد من المهمة صعوبة.
في عام 2007 تم تسليم أول طائرة إلى "الخطوط السنغافورية"، ومن ثم بدأت الخطوط الإماراتية بالطلبيات التي جعلتها أكبر عميل لهذه الطائرة وبها خفضت خسائر الشركة من هذه الطائرة، وحديثا أعلنت "إيرباص" أنها لن تتمكن أبدا من استرجاع ما دفعته في تطوير الطائرة، وبهذا تكون الشركة قد حققت خسائر مباشرة من هذا المشروع، والمهم أنها استهلكت مواردها بالسوق الخطأ، وأدركت اليوم أن استراتيجيتها لم تكن صحيحة، بينما "بوينج" من ذلك الحين (وقت الانتهاء من الدراسة) قررت التوقف عن الاستثمار في هذه السوق، والاتجاه نحو سوق الطائرات المتوسطة الحجم، وهو ما ثبت أن السوق تريده بالضبط وأكثر ربحية، وعليه تم تطوير الطائرة المعروفة اليوم بـ787، وعليه نجحت "بوينج" في إشغال "إيرباص" بمشروعها الفاشل وتأخير ردها على الطائرة 787 وهو ما أعطى "بوينج" قوة نسبية في هذه السوق والوقت للتطوير، حيث استطاعت "بوينج" تسليم أول طائرة لعملائها في عام 2011، بينما "إيرباص" لم تبدأ تسليم طائرتها A350 المنافسة لـ787 إلا في عام 2015، وهذا أدى إلى أن تنجح "بوينج" في صنع وتسليم أكثر من 789 طائرة، والطلبات لديها بحدود 1400 طائرة، بينما "إيرباص" صنعت فقط 249 طائرة متأخرة كثيرا عن "بوينج".
هذه القصة فيها دروس كثيرة للمديرين التنفيذيين ومجالس الإدارات حول أهمية دراسة الاستراتيجيات وتحليل ومراجعة البيانات بموضوعية، بعيدا عن العواطف والميول وعدم الخضوع تحت ضغوط المنافسة والإقدام وتبني مشاريع غير مدعومة بتحليل منطقي وموضوعي، إذا مثل هذه الحادثة حدثت لشركة عملاقة مثل "إيرباص" فلا تستبعد وقوعك في مثل هذا الخطأ الخطير أو أي شركة أخرى.

إنشرها