أخبار

المعجزة الرواندية .. درس بليغ في نهضة الأمم

جغرافيا، تقع رواندا التي تعني باللغة المحلية "أرض الألف تل"، البلد الصغير نسبيا في شرق وسط إفريقيا، على مساحة لا تتعدى 25 ألف كيلو متر مربع، بإجمالي ساكنة تقدر بنحو عشرة ملايين نسمة. التي ارتبطت في الذاكرة العالمية بأبشع إبادة جماعية في التاريخ المعاصر، راح ضحيتها أكثر من مليون مواطن رواندي، بين سنتي 1990 و1994، وذلك نتيجة صراع طويل على السلطة بين قبيلتي الهوتو "80 في المائة" والتوتسي "20 في المائة"، تعود جذوره الأولى إلى حقبة الاحتلال الألماني وبعده البلجيكي للبلد، منذ أواخر القرن الثامن عشر.
تاريخيا، أنيطت الزراعة بالقبيلة الأغلبية، فيما امتهنت الأقلية الرعي. وقد وظف الاستعمار هذه الورقة بذكاء لمصلحته، حيث قرّب التوتسي واصفا إياهم بالعرق الأنقى، فيما استعبد الهوتو الذين عملوا كمزارعين لديه. إمعانا منه في التفرقة، فرض تحديد "قبيلة الانتماء" في بطاقة التعريف الوطنية منذ سنة 1931، ما حرم الهوتو من مجموعة من المميزات التي استفردت بها التوتسي. كانت لحظة الاستقلال عام 1962، فرصة مواتية للأكثرية قصد الانتقام من التوتسيين، فلم يعودوا في نظرهم مواطنين روانديين أصائل، إنما مجرد خونة وعملاء الاستعمار.
استمر التحريض والصراع بين مكونات المجتمع الرواندي لعقود من الزمن، قبل أن يبلغ ذروته بداية التسعينيات حين غزت الجبهة الوطنية الرواندية "التوتسيون" رواندا سنة 1991، في هجوم اكتسحت فيه العاصمة كيجالي، وكلفها فقدان رئيسها فريد رويجياما، ما دفع الأمم المتحدة إلى التدخل باتفاق سلام عرف باسم "اتفاقية أوشا"، لم يحظ بالتأييد من جانب قبيلة الهوتو، خصوصا الرئيس وفريقه. موقف دفع الرجل حياته ثمنا له، حين أسقطت طائرته سنة 1994، ما أشعل فتيل حرب دموية قتل فيها كل توتسي، وكل من يتعاطف معهم من الهوتو.

مجرد بقايا دولة
دخلت البلاد في فوضى عارمة تزاد سنة بعد أخرى، ما دفع الرئيس باستور بيزيمونجو إلى الاستقالة "1994-2000"، لتنتقل السلطة إلى زعيم الجبهة الوطنية الرواندية بول كاجامي الذي شارك في الاقتتال الداخلي، وينتمي إلى أقلية التوتسي التي أبيدت. وضع الرجل البلاد على السكة، ونقلها من عصر الدماء إلى مسار المصالحة والوحدة والتنمية، بالعمل على توحيد الشعب المنقسم، وانتزاع البلاد من براثن الفقر. معلنا في كلمة قولته الشهيرة "لم نأت لأجل الانتقام، فلدينا وطن لنبنيه، وبينما نمسح دموعنا بيد، سنبني باليد الأخرى".
فهم بول كاجامي ومن خلاله الروانديون أن مسار التفرقة والعنصرية والصراع لن يؤدي بهم سوى إلى مزيد من الدماء والحروب والتراجعات، فأقر دستورا يلغي الفوارق العرقية، وأسس هيئة للوحدة والمصالحة تدعى جاكاكا؛ ضمت 1200 محكمة محلية يكونها تسعة قضاة يختارهم سكان القرية. لا تقوم على فكرة العقاب، إنما الاعتراف بالخطأ والتكفير عنه بخدمة المجتمع. وسن قوانين صارمة، تعد الخطاب العنصري جريمة. وفرض برامج خاصة لإعادة تأهيل المتورطين في الإبادة. وأعادت الحكومة تقسيم المحافظات، حتى تعزز قيم المواطنة، وتلغي فكرة القبيلة.
استثمر الرجل في العنصر البشري خصوصا النساء أيما استثمار، فبعد أن كانت المرأة الرواندية على هامش المجتمع بلا حقوق سياسية. تحولت إلى المركز بعدما أضحت تمثل 70 في المائة من سكان البلاد؛ على اعتبار أن معظم ضحايا المجازر كانوا من الرجال، ومن بقي منهم لاذ بالفرار خارج البلاد. لذلك وجدت النساء أنفسهن معيلات لأسر وعائلات؛ فمنهن نصف مليون تعرضن للاغتصاب خلال الإبادة، ولهن أطفال لم يتمكن من معرفة آبائهم. ما جعل مهمة النهوض بالبلاد من ركام الإبادة حملا ثقيلا على عاتق الروانديات.

الاستثمار في مواطن القوة
لا تشتهر رواندا بشيء يميزها عن الدول المحيطة؛ باستثناء حيوانات الغوريلا، إلا أن القبضة الحديدية للرئيس جمعت الروانديين ووحدتهم حول مشروع بناء الدولة. وسار بهم بول كاجامي بخطى سريعة نحو تحقيق مجد كبير، لهذا البلد الصاعد بقوة، بعد أن عرف كيف يثنيهم عن الاقتتال، ويحول الاحتراب الداخلي إلى نقطة قوة، اعتمد عليها لينقلهم من أفكار الأنا والذاتية إلى رحاب العمل الوطني العام المخلص الدؤوب نحو الإقلاع والتنمية. فتحققت المعجزة، وحدث التحول الرهيب وغير المتوقع، بعدما أصبحت رواندا سنغافورة القارة السمراء.
أولى باني رواندا أهمية قصوى للتعليم؛ بعدما أيقين أنه الحل لكل المعضلات التي تنخر البلد. واتخذ بشأنه قرارات شجاعة أدخلته في صراع مع قوى دولية "فرنسا"، بعدما عمد إلى تغيير لغة التدريس في المقررات التعليمية من الفرنسية إلى الإنجليزية. وفرض مدة دنيا إلزامية حددت في 12 سنة من التعليم المجاني. واستبدل نظام تقييم المدرسيين من الأقدمية نحو معيار نسبة النجاح. وأقر زيادة مستمرة في ميزانية التعليم، فبعد أن كانت 17 في المائة سنة 2013، أصبحت 22 في المائة سنة 2018، ويتوقع أن تصل إلى 25 في المائة في سنة 2020.
شهد البلد ثورة في زراعة وتصدير الشاي والبن اللذين يشكلان أساس الاقتصاد الرواندي، مع ظهور التعاونيات الزراعية التي كانت بمنزلة حل لمشكلة إيجاد فرص عمل للناجين من الإبادة. عززتها الحكومة بتوفير قروض ميسرة للمزارعين، لتظهر النتائج بعد سنوات فقط، حيث ارتفع إنتاج القهوة من 30 ألف طن إلى 15 مليون طن بعد تنفيذ هذه الخطة. وحقق البلد قفزة نوعية في القطاع السياحي؛ خاصة السياحة الطبيعية، ثاني مصدر للدخل بعد الزراعة، مع استقبال البلد مليون سائح سنويا، بعد أن كان بلدا طاردا لأبنائه فضلا عن السياح.

حصاد المعجزة الرواندية
نهضة رواندا الاقتصادية تزامنت مع نهضة اجتماعية شملت جميع نواحي الحياة، فإلقاء نظرة على تطور الناتج الداخلي الخام في رواندا يكشف تطور هذا المؤشر عشرة أضعاف في غضون 13 سنة، فبعدما كان لا يتعدى 900 مليون دولار سنة 1994، أصبح يناهز 9.14 مليار دولار سنة 2017. وتحولت إلى واحدة من أهم الاقتصادات الناهضة في العالم بمتوسط معدل نمو 7.5 في المائة من عام 2015 إلى عام 2017. وصنفت وفق تقرير لمنظمة دول "الكوميسا" لسنة 2016، كأول دولة في إفريقيا جذبا للمستثمرين ورجال الأعمال.
انعكست هذه النتائج على باقي المؤشرات، فقد تراجع معدل الفقر في رواندا من 60 في المائة إلى 39 في المائة، وانخفضت نسبة الأمية في أوساط الروانديين من 50 في المائة إلى 25 في المائة. في المقابل ارتفع متوسط حياة الفرد من 48 عاما إلى 64 عاما. واحتلت رواندا المركز 44 عالميا، والأولى على مستوى إفريقيا في مؤشر محاربة الفساد. فالروانديون يشعرون طوال الوقت بأن لا أحد فوق القانون، ثقة بالمؤسسات ساعدت على جذب المستثمرين إلى جانب توافر الأيدي العاملة، وسهولة إنشاء شركة؛ إذ لا يتطلب الأمر سوى خمس ساعات فقط. وحازت العاصمة الرواندية كيجالي لقب أنظف عاصمة إفريقية، بعد تبني سياسة "أومجاندا" التي تقتضي أن يخرج جميع سكان العاصمة يوم السبت الأخير من كل شهر لتنظيف شوارع مدينتهم، من رئيس البلاد حتى أصغر طفل. كما أن رواندا تعد واحدة من أكثر عشر وجهات سياحية أمانا في العالم. وبلغ الاهتمام بالجانب المعلوماتي والتكنولوجي ورقمنة البلاد مستويات عليا، قياسا بالمعدلات المعروفة في القارة الإفريقية.
قدمت رواندا درسا بليغا لبلدان العالم الثالث، مفاده أن تحقيق المعجزات لا يزال ممكنا في أي بلد، بشرط التوفر على رؤية واضحة وقيادة حازمة وإدارة مواطنة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار