FINANCIAL TIMES

هل ينجح ماكرون في تعديل وجهة فرنسا .. الثورة إلى الثروة؟

"إننا ننام على قمة بركان".. هكذا حذر المفكر والسياسي الفرنسي ألكسيس دي توكفيل، في خطاب أمام البرلمان الفرنسي قبل وقت قصير من أن تتزعزع فرنسا بسبب ثورة أخرى في عام 1848.
في الوقت الذي تواجه فيه فرنسا من جديد احتجاجات عنيفة، فإن أحد أحفاد دي توكفيل بات من جديد على الخط الأمامي لصراع الرئيس إيمانويل ماكرون، لتغيير المواقف الفرنسية لتصبح محابية للثروة أكثر من الثورة إزاء تسيير الدولة.
جان جيوم دي توكفيل، المحامي مثل سلفه، يعترف أنه مستفيد من قيام ماكرون بخفض الضريبة على الثروة في فرنسا في عام 2017.
إعادة فرض الضريبة هي أحد المطالب الرئيسة لحركة "السترات الصفراء" الاحتجاجية المناهضة للنخبة.
يقول الرجل البالغ من العمر 60 عاما "أنا أعيش حياة كريمة كمحام ولدي بعض من أموال العائلة، لكنني لست فردا ذا ثروة كبيرة".
دي توكفيل الحفيد شريك متخصص في الخدمات المصرفية والتمويل في شركة جيد للمحاماة في باريس، وهو أيضا مالك قصر العائلة في نورماندي الذي تشاركه جده الأكبر ألكسس دي توكفيل مع زوجته المولودة في إنجلترا ماري موتلي، وهي امرأة عادية تزوجها بدافع الحب، في تحد للتقاليد التي كانت تفرض عليه أن يتزوج من عائلة أرستقراطية.
"ليس كل الأشخاص الذين يعيشون في قصور أغنياء"، كما يقول دي توكفيل الحفيد، الذي يضيف أن "ضريبة الثروة – التي تم إدخالها بأشكال مختلفة في عهد الحكومات الاشتراكية السابقة – لم تؤد سوى إلى هجرة كثير من الفرنسيين الأغنياء، بدون إضافة مبالغ كبيرة إلى خزائن الدولة".
في حين إن برنامج ماكرون للإصلاح الضريبي كان "سياسة اقتصادية سليمة"، إلا أن "ما لم يكن ذكيا" كان رفع ضريبة الوقود التي كانت مقررة في كانون الثاني (يناير) من عام 2019.
هذا ساعد على إثارة أسابيع من الاحتجاجات العنيفة من تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، ما أدى كما في عام 1848، إلى تدمير الممتلكات في شارع الشانزليزيه الرمز الباريسي الكبير والشهير.
يشير دي توكفيل الحفيد "في الريف، الأشخاص ذوو الموارد المالية المتواضعة يحتاجون إلى سياراتهم لكل شيء، سواء لاصطحاب أطفالهم إلى المدرسة أو لأجل الذهاب إلى الطبيب".
ربما يكون ألكسيس دي توكفيل معروفا أكثر في الولايات المتحدة، بفضل كتابه "الديمقراطية في أمريكا"، حتى إن الشركات التابعة لـ"يونايتد واي" أي أغنى جمعية خيرية أمريكية تسمح بقبول أي متبرعين بقيمة عشرة آلاف دولار أو أكثر، لمصلحة جمعيات توكفيل التي تحمل اسم دي توكفيل الأكبر.
وجهات نظر ذلك الأرستقراطي من القرن التاسع عشر، بما في ذلك رثاؤه من أن الفرنسيين يختارون باستمرار المساواة على الحرية منذ ثورة عام 1789 "مهمة"، كما يقول دي توكفيل الحفيد.
كان ماكرون يشير إلى غرائز مساواة مترسخة بعمق عندما قال "إنه لن يستسلم للغيرة الفرنسية" من خلال إعادة ضريبة الثروة.
مع ذلك، عندما وصف جان ميشيل بلانكيه، وزير التعليم الفرنسي إطلاق الرئيس ماكرون في كانون الثاني (يناير) الماضي، مشاورات عامة لحل الأزمة الوطنية بأنه "لحظة توكفيل"، كان يشير في المقام الأول إلى إعجاب دي توكفيل الجد، بالمجتمع المدني الأمريكي، وهو ما يراه الفرنسيون تهديدا بأمركة فرنسا.
"من خلال تكليف إدارة الشؤون المحلية للمواطنين، فإنك ترفع من اهتمامهم بالمصلحة العامة"، كما كتب دي توكفيل الجد، بعد أن أقنعته جولة لمدة تسعة أشهر في أمريكا الشمالية في عام 1831، بأن الديمقراطية حتمية في فرنسا، في الوقت الذي كانت تتألم فيه بشدة من الثورة، وتنتقل من الثورة إلى الرجعية.
على الرغم من كل الغضب الشعبي بشأن "رئيس الأثرياء"، فإن دي توكفيل الحفيد الذي أسس مؤسسة توكفيل الفرنسية-الأمريكية لتعزيز المجتمع المدني في فرنسا، يعتقد أن "العقليات تتطور" في بلاده.
هناك مثالان على مثل هذا التغيير، كما يجادل جون روسانت، فاعل الخير الأمريكي والعضو في مجلس إدارة المؤسسة في ستاسيون إف Station F، أي حرم الشركات الناشئة الذي أسسهكزافييه نيل صاحب المشاريع، ومتحف فونداسيون لويس فويتون للفنون، الذي أسسه برنار أرنو قطب الرفاهية.
يقول دي توكفيل الحفيد "يدرك الناس الآن أن الحكومة ينقصها المال باستمرار. لا توجد طريقة تستطيع بها الدولة تغطية كل الاحتياجات العامة، لذلك يجب أن يبدأ التمويل الخاص".
هذا يشمل تمويل المعالم الوطنية مثل قصر توكفيل، بالقرب من شواطئ الهبوط في نورماندي في الحرب العالمية الثانية.
القصر مفتوح لأي زائر عند الطلب، ويتلقى بعض إعانات حكومية محلية لإجراء إصلاحات كبيرة، فضلا عن المؤتمر السنوي للمؤسسة عن الديمقراطية.
ضمن عرض للمساعدة الذاتية من ريادة الأعمال، بدأ دي توكفيل الحفيد وزوجته ستيفاني تأجير الجناح الجنوبي من القصر للزوار، بعد عملية تجديد تمت قبل عقد من الزمن، أشرف عليها عن كثب مهندسون معماريون معتمدون من الدولة.
مثل هذه القدرة على توليد الإيرادات تجعل من الأرجح أن أحد أطفالهما الأربعة سيوافق على وراثة القلعة، التي كانت لدى العائلة منذ منتصف القرن السابع عشر.
يقول دي توكفيل الحفيد "إذا طلبت من الأطفال تسلم منزل من المكلف جدا الاحتفاظ به، فلن يفعلوا. في بعض الأحيان تشعر أنك في فيلم "آخر الموهيكان" لأنك تحاول الحفاظ على تقاليد لم تعُد عصرية تماما".
ليتيسيا بيتري، العضو المنتدب السابقة في معهد فرنسا، وهو منظمة خيرية تدير المواقع التاريخية بما في ذلك قصر شانتيي، ترحب بمراجعة الحكومة التي تم الإعلان عنها العام الماضي، لنظام الدعم لتراث الأمة الكبير.
وتقول "إعادة التنظيم تحتاج إلى إيجاد توازن مناسب بين ما هو صحيح تاريخيا، وما يجب فعله من أجل منزل لتوليد الإيرادات التي تسهم في صيانته".
"إن الجمعيات الخيرية في المملكة المتحدة، مثل لاندمارك تراست وناشيونال تراست، تؤجر عقارات للسياح، وهي نماذج مفيدة لفرنسا"، على حد قولها.
من المفارقات أن الإصلاحات الضريبية التي أطلقها ماكرون أدت إلى انخفاض التبرعات الخيرية في عام 2018، كما أن حملة تعهد المنح Giving Pledge لبيل جيتس ووارن بافيت – التي تحث الأغنياء جدا على التخلي عن نصف ثرواتهم – "لم تكن ناجحة في هذه البلاد"، كما يقول دي توكفيل الحفيد.
يمكن تفسير بعض هذا من خلال فرض الضرائب الكبير التقليدي في فرنسا، الذي يمنح دافعي الضرائب دافعا إضافيا لتقديم طلبات للحصول على امتيازات ضريبية بقيمة 75 في المائة من أي تبرعات خيرية، قد تصل إلى الحد الأقصى المسموح به، أي 50 ألف يورو.
في عام 2017، تفوقت فرنسا على الدنمارك باعتبارها الدولة الأكثر فرضا للضرائب في نادي منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية "أوسيد" للاقتصادات المتقدمة.
هذا وضع تغيرا في عام 2018 عندما ألغى البرلمان ضريبة الثروة على كل شيء باستثناء الأصول العقارية، من الناحية العملية خفض الضريبة بنسبة 70 في المائة.
كما أدخل أيضا معدل ضريبة ثابتا بنسبة 30 في المائة على مكاسب رأس المال، وأرباح الأسهم والفائدة، وهو طلب طال انتظاره من المستثمرين وأصحاب المشاريع.
في المقابل، فإن النظام الضريبي في الولايات المتحدة الذي ينتقده البعض باعتباره سخيا جدا لأصحاب المليارات، يفرض الضرائب على دخل الأمريكيين وأصولهم على مستوى العالم، وفي المقابل لا يوجد سقف لحجم التبرعات المعفاة من الضرائب.
مع ذلك، كما تشير بيتري، فإن العمل الخيري لا يتعلق بالمال فقط بل بالتوقيت، حتى المنظمات الطوعية في فرنسا تواجه عقبات بيروقراطية على شكل تشريع عمل يتطلب دفع مساهمات اجتماعية للمتطوعين، ناهيك عن اعتراضات النقابات على قيام المتطوعين "بسرقة الوظائف".
هناك مصدر ثقافي كبير آخر للاختلافات مع الولايات المتحدة، كما يقول روسانت "الثروة تعد بمنزلة مصدر للعار في فرنسا. إذا كانت لديك، فإنك لا تعمل على استعراضها. كي يعيش الثري سعيدا في فرنسا، عليه أن يعيش في الخفاء"، كما يقول المثل.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES