تعزيز تنافسية صناعة الأدوية

|


نظرا للنمو المطرد في أعداد السكان، وتحسن أحوال المعيشة، وازدياد نسب الشيخوخة عبر العالم تتزايد أهمية القطاعات الصحية في النشاطات الاقتصادية مع مرور الوقت. وتمثل صناعة الصيدلانيات أو الأدوية أو العقاقير جزءا مهما من قطاع الرعاية الصحية، حيث تزيد قيمة الأدوية بوصفة عبر العالم على تريليون دولار، كما تباع كميات هائلة من الأدوية دون وصفة قد تصل قيمتها إلى نصف هذا المبلغ أو تتجاوزه. ويمكن أن تشكل صناعة الأدوية العالمية نحو 1.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي أو شيء قريب من ذلك. لهذا فهي صناعة مهمة تحظى باهتمام صناع سياسات النمو المستدام كما توفر وظائف جيدة لعدد كبير من العمالة في دول العالم.
تورد نتائج المسح الاقتصادي السنوي للمؤسسات لعام 2017 -الذي تصدره الهيئة العامة للإحصاء- بيانات تقديرية لأنشطة قطاعات المملكة الاقتصادية التي من ضمنها صناعات الصيدلانيات. وتفيد بيانات المسح بوجود 99 منشأة عاملة في صناعة المنتجات الصيدلانية. يشتغل في هذه المنشآت ما يزيد على سبعة آلاف عامل في 2017، وهي بذلك تميل إلى الصغر حيث توظف معظمهم أقل من 70 عاملا للمنشأة الواحدة. يصل إجمالي عدد العمالة السعودية في هذه المنشآت إلى نحو ثلاثة آلاف مشتغل، بينما يزيد عدد العمالة الوافدة على أربعة آلاف شخص، وبذلك تصل نسبة السعودة في هذه الصناعة إلى نحو 40 في المائة. ورغم أن هذه النسبة تبدو منخفضة إلا أنها أفضل بكثير من متوسط القطاعات الخاصة غير النفطية. وتصل مساهمة العمالة السعودية في إجمالي عمالة المؤسسات الإنتاجية إلى نحو 27.4 في المائة، وذلك حسب المسح.
أما فيما يتعلق بإجمالي تعويضات العمالة من أجور ومنافع فتصل في قطاع الصناعات الصيدلانية إلى نحو 483 مليون ريال. وهذا يشير إلى بلوغ متوسط رواتب ومنافع العامل في هذه الصناعة نحو 5400 ريال شهريا. ويفوق هذا المعدل المتوسط العام للمنشآت في المسح والبالغ نحو 3670 ريالا شهريا، ما قد يفسر اجتذابها لنسبة أكبر من العمالة السعودية من قطاعات أخرى. من جهة أخرى فإن نسبة الأجور إلى فائض التشغيل وإجمالي الإيرادات في هذا القطاع أفضل بكثير من المتوسط العام للقطاعات غير النفطية.
يتفوق فائض التشغيل على تعويضات العاملين في قطاع صناعة المنتجات الصيدلانية حيث وصل إلى نحو 918 مليون ريال في عام 2017. ويدل ذلك على ربحية القطاع، وتوافر مجالات كبيرة للتوسع في هذه الصناعة، وكذلك مجال لزيادة معدلات أجوره. من جهة أخرى، يصل إجمالي الإيرادات في هذه الصناعة إلى نحو 3452 مليون ريال بينما تبلغ النفقات نحو 2051 مليون ريال ما يعني أن القيمة المضافة في هذا القطاع تقدر بنحو 1.4 مليار ريال، وأنها تبلغ نحو 40 في المائة من قيمة المنتجات النهائية. ويشكل فائض التشغيل فيها نحو ثلثي القيمة المضافة بينما يذهب ما يزيد قليلا على الثلث لتعويضات العاملين.
عند مقارنة ناتج هذه الصناعة مع الناتج المحلي الإجمالي للمملكة فإنها تمثل نسبة منخفضة ولا تكاد تذكر، حيث تسهم بنحو نصف عشر من 1 في المائة في الناتج المحلي عام 2017. وهذه النسبة منخفضة جدا مقارنة بالمعدل العالمي، كما أنها منخفضة للغاية مقارنة بالدول المتقدمة في إنتاج الأدوية. ويبدو من البيانات أن صناعة الأدوية في المملكة صناعة ناشئة وصغيرة وأمامها طريق طويل للمنافسة العالمية، كما أنها ما زالت تعتمد بشكل رئيس على تراخيص الإنتاج العالمية حيث تشكل التعبئة والتغليف والتوزيع والأرباح معظم القيمة المضافة محليا. إن صغر هذا القطاع مؤشر على ضعف ميزات المملكة النسبية مقارنة بدول العالم في صناعة الأدوية. وهذا لا يعني تثبيط الهمم في النهوض بهذا القطاع، بل قد يكون دافعا لزيادة الاهتمام به وتنميته، وبذل مزيد من الجهود لاستغلال الفرص المتاحة في الصناعات الصيدلانية وزيادة مساهمتها في توفير فرص وظيفية محترمة للعمالة الوطنية، والبحث عن عوامل تحسين الميزات النسبية لزيادة قدرات المملكة على المنافسة. ويأتي على رأس آليات تقوية الميزات النسبية في هذا القطاع تعزيز مهارات القوى العاملة المتخصصة، وتطوير الأنظمة الحاكمة للقطاع والاستثمار فيه، ودعم وتشجيع المؤسسات العلمية والشركات المنتجة المحلية والعالمية على زيادة الإنفاق في مجالات البحث والتطوير والإبداع داخل المملكة. كما ينبغي السماح بزيادة قوى المنافسة الشريفة وعدم الإصغاء لمطالب بعض المنتجين لتبني سياسات حمائية لحمايتهم من المنافسة كما يتصورون، ولكنها في الحقيقة لا تحميهم في الأمد الطويل كما أنها تسيء بالدرجة الأولى إلى المستهلكين وهم المرضى في هذه الحالة. ومن المعروف أنه كلما ازدادت قوى المنافسة في صناعة بلد ما ازدادت فرص الإبداع والتميز، وازدادت ميزاته النسبية صلابة وقوة، ونمت صادراته.

إنشرها