حد أدنى للأجر بالساعة

|


ناقش مجلس الشورى في جلساته الأخيرة موضوعات مهمة تتعلق بتوصية تحديد الحد الأدنى للأجور، ولقد كتبت مقالات عن هذا الموضوع المهم والجدل الذي يكتنفه، المهم في هذا الموضوع هو أنه لا بد من وضع حد أدنى للأجور، وعندما نقول الأجور لا نقصد الراتب، الراتب يعني مجموع الأجر خلال شهر واحد، والأجور تحدد على أساس العمل بالساعة، وليس الشهر، ومعنى ذلك أن تحديد حد أدنى للأجور يعني تحديد حد أدنى لأجر الساعة، لا أعرف ما الذي جعل مجلس الشورى يعترض على دراسة بهذه الأهمية وهذا الحجم؟ الاقتصاد الحقيقي المنظم والقانوني هو الذي يضع حدا للأجور، ولقد شرحت ذلك في مقالات يمكن أن تصبح كتابا الآن، لماذا لابد لنا أن نضع حدا للأجور؟ وليس هذا المقال لمزيد من الطرح النظري لهذه المسألة التي أصبحت واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار.
ما شدنى أكثر للكتابة التأكيد على أهمية توصية دراسة وضع حد أدنى لأجر الساعة في المملكة "وليس بالضرورة أن يكون حدا واحدا، بل حدودا وفقا لتصنيفات الوظائف"، ما أثير أيضا خلال أعمال مؤتمر التنمية المتوازنة: دراسات في رؤية الملك سلمان الاقتصادية التي عقدت في رحاب كلية الأعمال في جامعة الملك خالد خلال الأسبوع الماضي، لقد ميزت المؤتمر تلك الدراسات الاقتصادية التجريبية العميقة التي استندت إلى تتبع سلاسل زمنية طويلة مع صرامة إحصائية واضحة في الأوراق التي قدمت، ولقد حظيت الورقة التي قدمها منتدى الرياض الاقتصادي باهتمام بالغ الأثر خصوصا أنها تتبعت التنمية المتوازنة في المملكة مع مقارنات دولية، لقد أثار المؤتمر قضايا هائلة ليس أقلها ولا أهمها موضوع المحتوى المحلي، ولقد أدهشني إلى حد بعيد الربط الواضح جدا بين موضوع المحتوى المحلي ومسألة تقنين الحد الأدنى للأجور من أجل دعم برنامج المحتوى المحلي.
إن لدينا اليوم نزاعا كبيرا بين ثلاثة أوضاع لم تستطع جميعها أن تصنع مثلثا للقضاء على البطالة في المملكة، أولها القطاع الخاص الذي يريد بكل وضوح استهلاك طاقات الشباب بساعات عمل طويلة وأماكن عمل شاقة وبيئة غير مواتية، ويعطي في مقابل ذلك القليل مع ما تمنحه المادة (77) من تعسف، فكيف تريد من شركة أن ترعبها المادة (77) وهي تعرف أن راتب الموظف سنة كاملة لن يهز لها رصيدا أو يربك لها نقدية لأنها ما وظفته إلا اتقاء شر نطاقات، والضلع الثاني هو الموظف السعودي نفسه الذي يريد عقدا مضمونا جدا لا ينازعه أحد في راتب لا ينقص مهما ضعفت إنتاجيته، وهو مع هذا يعرف أن القطاع الخاص يعتمد على عقود مؤقتة وسمعة تجارية لا تقبل العبث، والثالث هو الحكومة التي تفرض التوطين حتى لو كانت الأطراف الأخرى غير متفقة على عقد، وفي الوقت نفسه ترفع شعار حرية التعاقد. الحل في اعتقادي ومع مجموعة من المهتمين الاقتصاديين هو في الحد الأدنى للأجور "وليس الراتب"، حد لأجر الساعة لا يقل عنه، ولصاحب العمل الحق في تحديد ساعات العمل مع الموظف وفقا لقواعد نظام العمل، ولكل عمل ظروفه ولكل عامل إنتاجه.
الحد الأدنى للأجور "أجر الساعة" لا يحل مشكلة العلاقة الشائكة بين العامل وصاحب العمل فحسب، بل يحل مشكلة المحتوى المحلي والتسعير ووضوح التكاليف بشكل عام، فبرنامج المحتوى المحلي المنشود في ظل ضبابية تحديد الأجور في المملكة لن يتحقق بالشكل المطلوب، فالمعروف أن أهم عناصر المحتوى المحلي هو الوظائف، بمعنى أن يكون جزء من العمال "بشرط العقد" موظفين سعوديين، وفي ظل إجراءات الراتب الحالية فإن التكاليف ستكون مرتفعة حتما، وهذا سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة العقود بين شركات القطاع الخاص، أو بين القطاعين الخاص والعام، فتحديد ساعات العمل والأجر على الساعة ومع وجود حد أدنى للأجر يمكن جميع الأطراف من تحديد جميع التكاليف والعلاقات التعاقدية بدقة. كما أن في ذلك تجنبا لكثير من القضايا الشائكة التي تنشأ مع الدول ذات الارتباط أو التي تتأثر ببرنامج المحتوى المحلي نظرا لاتفاقيات التجارة العالمية، لأن المحتوى المحلي يحتوي بين جنباته حمائية من التنافسية.
ليس من الضروري أن يكون الحد الأدنى للأجور مضرا بذوي الخبرة فلا علاقة بهذا وذاك، ذلك أن الحد الأدنى للأجور هو حد الدخول للوظائف، وهو مرتبط بتكلفة المعيشة ويمكن تعديله بين فترة وأخرى، ويضاف إليه المزايا الأخرى ومن ذلك العلاوات التي تتعلق بالخبرات والدرجات التي تعنى بذلك فوق مستوى الحد الأدنى. فالحد الأدنى للأجور من أهم عوامل الاستقرار الاجتماعي.
لقد كان منظمو مؤتمر التنمية المتوازنة في جامعة الملك خالد عند مستوى الحدث الاقتصادي فعلا، وقدموا أوراقا في غاية الأهمية والعمق والشجاعة في الطرح وكل ما أتمناه أن يتحول هذا المؤتمر إلى منتدى كل سنتين، منتدى يعنى بتتبع التطورات الاقتصادية لـ"رؤية 2030" وتأثيراتها وأيضا تطور المفاهيم الاقتصادية وتطبيقاتها في المملكة خاصة بشأن المحتوى المحلي وقضايا العمال.

إنشرها