القيمة المعرضة للخطر كأداة لقياس المخاطر

|


أدى انهيار بعض الكيانات التجارية الضخمة والخسائر المالية الطائلة الناجمة عن الدخول في منتجات معقدة كتلك التي نجدها في بعض المشتقات المالية وعديد من الحوادث المالية الأخرى إلى اهتمام الجهات التشريعية وفئة من المؤسسات المالية إلى طرق لتحسين الإجراءات الخاصة بإدارة وقياس المخاطر المالية. وفي ظل التعقيد المتزايد في بعض المشتقات المالية والناتج من استمرار بعض الكيانات المالية في إعادة قولبة وتوزيع المخاطر المتصلة بها، يتبين عدم كفاية التدابير التقليدية القائمة على الطرق المحاسبية المعتادة في تحديد رأس المال اللازم للتصدي لتلك المخاطر. وعند قياس مخاطر تقلبات الأسعار بواسطة قياس الانحراف المعياري standard deviation إحدى أكثر الأدوات شيوعا نجد في هذا النهج عيوبا جوهرية كونه لا يعير اهتماما كبيرا لاتجاه حركة الأصل ويفترض في تقلباته السعرية توزيعا معياريا طبيعيا ما قد يؤدي إلى نظرة قاصرة في تقييم تلك المخاطر قيد الدراسة. ومن هنا برز قياس القيمة المعرضة للخطر أحد أبرز المفاهيم في علم إدارة المخاطر المالية Value At Risk-VaR حتى إن بعض المختصين في المجال قد أطلقوا عليه لقب العلم الجديد في إدارة المخاطر المالية، وعندما يقال جديد فالمقصود هنا نسبيا فقط، وذلك كون استخدام تطبيقاته من قبل بعض مديري المخاطر يعود إلى زمن ليس بذاك القصير وبالتحديد منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وكي نتعرف على هذه الأداة المهمة، بوسعنا القول إنها وسيلة لقياس الحد الأقصى للخسارة المحتملة "أو أسوأ سيناريو" على الاستثمار أو الحالة تحت الدراسة خلال فترة زمنية معينة التي تكون مقترنة بدرجة محددة من اليقين. ولعرض هذا التعريف إحصائيا، نجد أن القيمة المعرضة للخطر هي مستوى الدلالة الناشئ عن مجال ثقة منشود لقياس القيمة الحقيقية لمتغير معين يراد معرفته تحت إطار زمني وتوزيع احتمالي محدد. وجرت العادة في تحليل المخاطر المالية استخدام مجالات ثقة بمستوى قدرة 95 في المائة "5 VaR في المائة" ولكن يتم أيضا استخدام مجالات ثقة أخرى مثل 90 في المائة و99 في المائة. وإذا عدنا إلى التاريخ نجد أن هذه الأداة قد تم تطويرها كطريقة فعالة وغير مكلفة لقياس المخاطر المختلفة المتعرضة لها كيانات مالية ذات عمليات واسعة وموجودات متنوعة ومعقدة. واستخدامات قياس القيمة المعرضة للخطر كثيرة، ففي إدارة المخاطر المالية على سبيل المثال نجد تطبيقاته عديدة في تحديد مخاطر الائتمان والتشغيل والأسواق والسيولة وغيرها من المخاطر المالية الأخرى. وهو أيضا معمول به في نطاق الرقابة وإعداد التقارير المالية وفي حساب رأس المال النظامي للكيانات ذات العلاقة وكذلك يستخدم في تطبيقات غير مالية. ومن منافع هذا القياس أنه يجيب عن بعض الأسئلة المهمة، مثل ما أكبر قدر من الخسارة بالريال السعودي يتوقع حدوثه على المحفظة ــ مع مستوى ثقة 95 في المائة على سبيل المثال ــ خلال الشهر المقبل أو العام المقبل؟ وقد يكون الجواب هنا أنها لن تزيد على مليون ريال مع نسبة الثقة المستخدمة، أو أن تزيد الخسارة على هذا المبلغ بفرصة وقوع قدرها 5 في المائة وهذه هي القيمة المعرضة للخطر.
وهناك مداخل مختلفة في حساب القيمة المعرضة للخطر، والاختلاف الرئيس بينهما يكون في كيفية اشتقاق التقلبات السعرية للأصول تحت التقييم، وهل هي مستخرجة من الأداء التاريخي للأصل أم مستخلصة ضمنيا بواسطة أسعار الخيارات ذات الصلة Implied Volatility وإحدى الوسائل المستخدمة لتحسين كفاءة هذا القياس القيام بإعادة اختباره Backtesting وذلك بمقارنة الخسائر التي تم التنبؤ بها من خلال نموذج القيمة المعرضة للخطر المعمول به في المنظمة بتلك التي حدثت بالفعل خلال الفترة المحددة قيد الدراسة. وعلى الرغم من الفوائد المتعددة لهذه الأداة، إلا أنها أيضا لا تخلو من بعض النقائص، كغياب الرؤية فما يخص حجم الخسارة الفعلية التي قد تنشأ. والسبب في ذلك هو أن قياس القيمة المعرضة للخطر يوفر لمدير المخاطر القيمة القصوى التي يمكن أن تخسرها المنظمة فقط عند مستوى محدد من الثقة ووفقا لتوزيع احتمالي معين للتقلبات السعرية الخاصة بالأصل الذي بالأساس هو عرضة لخطر التغير الجوهري الوارد على أرض الواقع. وغيرها من العيوب الأخرى التي لا يتسع هذا المقال مع الأسف لذكرها والتي قد تؤدي بمن هو قائم على تقييم المخاطر إلى الوقوع في أخطاء تحليلية وتحيزات تقديرية.
وفي كل حال على مدير المخاطر في أي منظمة معرضة لمخاطر مالية أن يأخذ بعين الاعتبار الخصائص المرتبطة بأدوات قياس المخاطر المالية المعمول بها وأن يتحرى فيها التماسك والتناسق. وأن يكون على إدراك تام أن في أوقات الأزمات تزداد احتمالية تغير الارتباطات التاريخية المسلم بها في قيم بعض من الأصول التي مع الأسف قد تكون بنيت على أساسها استراتيجية المخاطر والتحوط في تلك المنظمة. علاوة على ذلك، أن يكون قياس المخاطر يطبق على نطاق المنظمة ككل وذلك لتفادي تعرضها عن غير قصد من قبل إداراتها المتعددة إلى مخاطر مالية ذات ارتباط عال. وأن يتم تحديث نماذج المخاطر المعمول بها في المنظمة بشكل متوافق مع المستجدات الاقتصادية وتكملتها باختبارات الضغط المالي الملائمة متى ما أمكن ذلك.

إنشرها