ديوان المراقبة العامة .. بين مراقبة أداء العقود وجودة تنفيذها

|


أبرز الإعلام خلال الأسبوع الماضي جلسات مجلس الشورى خاصة رفضه توصية تستهدف توسع أعمال ديوان المراقبة في إجراءات الرقابة على الأداء لتشمل جميع عقود مشاريع البنية التحتية ومنها السدود والأنفاق. وهذه التوصية ذات إشكالية معقدة، وأحسن مجلس الشورى إذ رفض إقرارها وإن بدت في ظاهرها مميزة وتدعم الرقابة، ففي حقيقتها خلط للبرامج والمهام وخلط للوظائف والمسؤوليات، فلقد عانت الجهات الرقابية التداخل في الاختصاصات وعانى المجتمع معها بسبب هذا التداخل، وطالب كثيرون بحل هذه الإشكالية لأن مثل هذا التداخل يضعف العمل الرقابي ولا يضيف شيئا إليه، وفي الازدواج الرقابي فرصة للتهرب من الرقابة، ذلك أن الرقابة كمثل العلاج إذا أخذت علاجا بالتركيب الكيميائي نفسه والكمية، ولكن بأسماء مختلفة فإن كل ما ستحصل عليه هو مزيد من المرض وليس العلاج، ولكن إذا أخذت الكميات الموصوفة من أنواع مختلفة من العلاج بحسب الحالة فإنك ستحصل على الشفاء. إذن نحن نحتاج إلى مزيد من الإصلاح الرقابي والتنوع فيه وليس مزيدا من التداخل والغموض في الاختصاص. لكن ما علاقة هذه المقدمة بالتوصية المرفوضة؟ إنه الفرق بين إجراءات الرقابة على الأداء وإجراءات الرقابة على الجودة.
ديون المراقبة العامة مختص بنص نظامه بأنواع الرقابة التالية، (1) الرقابة المالية، (2) الرقابة على الأداء، (3) الرقابة على الالتزام، ويسمى مجموعها عند الديوان بالرقابة الشاملة. وهكذا فليست الرقابة على إجراءات الجودة من ضمن اختصاصات الديوان بل هي عمل إداري تنفيذي بحت تختص به الإدارة التنفيذية في كل وزارة أو هيئة أو شركة وهي مسؤولة عنها، مثلها في ذلك مثل المراجعة الداخلية وإدارة المخاطر، ودور الديوان هو التأكد من وجود هذه الإدارات وأنها تعمل بكفاءة، هنا يمكن للرقابة على الأداء أن تجد مكانها. وقبل الخوض في أي نقاش حول الفرق بين الرقابة على الأداء والرقابة على الجودة لابد أن أوضح قاعدة مهمة: لا يوجد رقابة بلا معيار مقارنة.
فالرقابة على الأداء تهتم بالكفاءة والفعالية وتستخدم مكونات خطة استراتيجية من حيث الأهداف والموارد المتوافرة لتحقيق الأهداف، للمقارنة بين ما خطط له وما تم تنفيذه، فمقصودنا بالكفاءة هو المقارنة بين ما تم التخطيط والتخصيص من موارد وما تم إنفاقه فعلا، وهل تمت إجراءات ضبط الإنفاق، وهل هناك هدر في استخدام الموارد؟ والفعالية تعني إنجاز الأهداف وفقا لمؤشراتها، فهل تم تحقيق الأهداف كما تم التخطيط لها، أم هناك انحراف في ذلك؟ فقد يتم تحقيق الكفاءة من حيث توفير الموارد لكن هذا الضبط تجاوز الحد حتى تم التقتير على العمل فلم تتحقق الأهداف، وفي المقابل قد يجد الهدف حقه من الدعم والاهتمام حتى درجة الهدر في المورد فبينما يمكن بناء جسر مثلا بمليون تم تحقيق الهدف ولكن بمليار، تلك هي العلاقة وهذا عمل الديوان وهو يقوم به، نعم لا يتم بالدرجة التي ترضي بعض أعضاء "الشورى" لكنه يقوم به على كل حال.
في المقابل فإن إجراءات الجودة تهتم أساسا بالمواصفات الفنية للمنتجات و"هي معيار المقارنة بشكل أساس، مع توسع كبير في مجالات أخرى"، فالجودة كعمل فني تنفيذي داخل الجهاز هي التي تتحقق من خلال تتبع ما تم إنجازه مع ما كان مخططا وفقا للمواصفات والمقاييس الفنية، وأيضا في بعض الحالات يتم فحص هذه المواصفات ومدى مناسبتها لما خصص له هذا المبنى أو ذلك المنتج، وفي حالة السدود والمباني والأنفاق والجسور (مثلا) فإن دور إجراءات الرقابة على الجودة تأتي لتتبع مراحل التنفيذ مرحلة مرحلة والتأكد من جودة كل عنصر من عناصر المبنى أو السد وأنها تتناسب مع المواصفات الموضوعة مسبقا، وأن التنفيذ وفقا لها مناسب وكاف لتحقيق الغرض من المبنى، فهي إجراءات تنفيذية إدارية يومية بحتة. ولا نتوقع أن يصل تدخل ديوان رقابة حتى هذا المستوى التنفيذي إذ إن هذا سيتسبب في خلط الأدوار والمسؤوليات، كما أن موظفي الديون ليس لديهم دراية ومعرفة بهذه المواصفات الدقيقة وكما أن مراجعتهم تتم بشكل دوري وليس يوميا، فلو قلنا: يقوم موظفو الديوان بالرقابة على الجودة لم يبق للإدارة التنفيذية عمل، ولم يبق لموظفي الديوان وقت لغيرها، وقد يختلف الطرفان حول المواصفات أو حول العقد وإذا حدث خلل بعد التنفيذ فمن المسؤول حينها؟
دور ديوان المراقبة العامة هو تقييم الأداء عن هذه المشاريع والعقود، هل هي متفقة مع أهداف الوزارة أو الهيئة ووفقا لنظامها وميزانيتها وما تم تخصيصه، وهل تم تنفيذها فعلا، وتشغيلها؟ فإذا قامت وزارة الصحة مثلا ببناء جسر والنقل ببناء مستشفى فإن على الديوان أن يقف ونحن نطالبه بالتدخل وهذا من تقييم الأداء. إذا تم صرف مبالغ ضخمة على مشروع، بينما تم صرف أقل منها على مثله فإن ديوان المراقبة يظهر هنا، لأن ذلك هدر للموارد وهذا من تقييم الأداء، وإذا تم إنشاء مستشفى ولم يتم تشغيله فإن ديوان المراقبة يسأل هنا لأنها من الفعالية والأداء، لكن إذا تم إنجاز المستشفى وتم تشغيله والمبالغ المرصودة منطقية فلا يمكن أن نطالب ديوان المراقبة بالتأكد من مثالية بناء المستشفى وجودة البناء والمواد المستخدمة. وهكذا في جميع أنواع العقود وتفاصيلها.

إنشرها