خطوات تصميم نموذج العمل

|

كتبت في المقال السابق عن مفهوم نموذج العمل، ومدى أهميته، وتناولت تعريفه وطريقة معرفة نموذج العمل الحالي، وكما وعدت سأتناول في هذا المقال الجزء الثاني من هذه السلسلة عن نماذج الأعمال، وهي عن كيفية إيجاد نموذج عمل ناجح.
في البداية يجب أن يتم البدء من قاعدة الهرم والأساس لأي نموذج، وهي إيجاد قيمة مقدمة للعميل، دون وجود قيمة "حقيقية" للعميل لا يوجد نموذج عمل ناجح، ولكي يتم إيجاد هذه القيمة يجب أن يراعى الآتي:
1 - تحديد من هو العميل، فلا يمكن أن يتم تقديم قيمة "خدمة أو حل مشكلة" لعميل غير محدد الوصف، فهذا سيضعف النموذج ويشتت الجهود، لذلك حدد ما الشريحة المستهدفة؟ هل هي شريحة لمهنة معينة؟ هل مبنية على شرائح عمرية؟ على الجنس، أم الدخل؟ لذلك كلما استطعت التركيز أكثر وأكثر بتحديد شريحة العملاء، كان أفضل لنموذج العمل خصوصا في بداياته، وبعد نجاح النموذج بالإمكان البدء بالتوسع تدريجيا بإدخال شرائح أخرى مرشحة للمبيعات.
2 - تحديد ما المشكلة التي يجب أن يتم حلها أو الاحتياج الذي يريد العميل أن يلبى، وهنا يجب الانتباه إلى أن العميل هو من تم تحديده في البداية، قد يستطيع رائد الأعمال أو أي مسؤول يضع الاستراتيجية تحديد فئة وشريحة العملاء، لكن دون معرفة لما يريده العميل بشكل واضح وحقيقي، لذلك قد يتم تقديم خدمة للعميل لكن ليست هي ما يرغب حقا في استخدامها، وفي نهاية الأمر تفاجأ الشركة من ضعف الطلب على عكس الدراسات التي اقترحتها أو توقعات الإدارة سابقا، على الجانب الآخر قد يتساءل البعض كيف لي أن أعرف ما احتياج العميل؟ هل هو بسؤاله عما يحتاج؟ أو بعمل مسح؟ أعتقد أن هذه الطريقة ليست صحيحة، وقد تؤدي إلى نتائج خاطئة، والسبب أن العميل في كثير من الأحيان لا يعرف بالضبط ما احتياجه، ولو لاحظنا فإن أغلب المنتجات الجديدة ونماذج الأعمال الجديدة لم تقم على نتائج استبيان للعملاء، فمثلا ستيف جوبز لم يسأل عملاءه إذا كانوا يريدون أجهزة الآيبود أو الآيفون أو الآيباد، ولا "أوبر" استطلعت السوق عن احتياجهم إلى الخدمة، لذلك الذهاب إلى العميل ومحاولة معرفة احتياجه إلى بناء نموذج عمل قد لا يكون البداية الأفضل، "ربما يناسب تحسين الخدمة أو إضافة منتج آخر"، إذن كيف يتم معرفة المشكلة؟ أعتقد أنه لا يوجد إطار محدد للمعرفة، بل من الصعب تحديدها لكن من ملاحظة أن أغلب نماذج الأعمال السابقة كانت تسعى لحل أو تحسين واحد أو أكثر من العوائق الأربعة التالية وهي:
- عائق أو مشكلة القدرة المالية: كثير من نماذج الأعمال قامت على تقديم خدمة ونموذج عمل قدم قيمة للعميل عبر توفيرها بتكلفة مناسبة، وهي بالضبط ما كان العميل يحتاج إليه، على سبيل المثال نموذج عمل شركة فورد، الذي قدم سيارات منخفضة التكلفة في أوائل القرن الـ20، وبالتالي أتاحها لشريحة هائلة من الشعب، وكما عملت شركة تاتا الهندية وقدمت سيارة رخيصة جدا للهنود، وبالتالي أتاحت وبشكل فوري السيارات لشرائح لم تكن تحلم بقيادة السيارة.
- عائق التوافر أو الوصول Access، وهو عدم توافر الخدمة لشرائح كبيرة من العملاء بسبب عوائق "غير مالية" مثل صعوبة توفيرها بسبب لوجستي أو تقني وغيرها.
- عائق المهارات، فمثلا يعاني كثير من الشركات الصغيرة الأنظمة المحاسبية، وتوافر محاسبين، وارتفاع التكاليف، لذلك توفير نظام سهل، يستطيع غير الملم بالمحاسبة التعامل معه سيحل مشكلة كبيرة في السوق مع توفير للتكلفة.
- عائق الوقت: كثير من الخدمات ما زال عملاؤها يعانون مشكلة الوقت معها، حيث يتطلب تقديم الخدمة وقتا طويلا، لذلك فهي معرضة لتقديم نماذج أعمال تحل مشكلة الوقت فيها مثل مراجعات المستشفيات والفحوص.
3 - تصميم العرض، وهو الحل المقدم الذي يحل مشكلة العميل أو يرضي احتياج العميل، والعرض لا يقتصر أبدا على تعريف الحل، بل يجب أن يشمل الكيفية والطريقة التي سيتم حل المشكلة عبرها، وهنا نصل إلى ما يسمى القيمة المقدمة للعميلCustomer Value Proposition.
بعد معالجة إيجاد قيمة للعميل، نأتي إلى إيجاد قيمة للشركة، وبمعنى آخر معادلة الربح أو تحقيق الأرباح، وكما ذكرنا في المقال السابق مهما كان نموذج العمل ناجحا في إيجاد قيمة للعميل دون تقديم قيمة للشركة لن يستمر وستنهار الشركة، لذلك يجب تصميم معادلة واقعية للربح عبر: أولا تحديد نموذج الإيرادات، الذي يتكون من عاملين، وهما السعر والكمية، يتم تحديد السعر أولا بالقيمة التي تجعل الشركة تقدم بها قيمة للعميل، وتحقق لها نجاحا بالمنافسة عبر معرفة الشريحة المستهدفة، التي حددت سابقا ومعرفة السعر المناسب، ثم يتم تحديد التكاليف المتغيرة والثابتة وتوزيعها بشكل سليم، ومن ثم تحديد الهوامش المستهدفة، ومعرفة سرعة دوران الأصول؛ لكى يتم التنبه لحجم الأصول المناسب للنموذج.
بعدها تتم معرفة الأصول المطلوبة، وتشمل الموارد البشرية، الأنظمة، الأجهزة والمعدات، قنوات البيع والتوريد والتحالفات وغيرها، وأخيرا يتم بناء الإجراءات والسياسات، وهي مهمة لضمان جودة العمل والقدرة على تكراره بالجودة نفسها، والأداء نفسه. وسهولة العمل تشمل أشياء مثل إجراءات التصنيع أو تقدم الخدمة، إدارة المخزون، البيع، الجرد، سياسات المالية، سياسات الائتمان للعملاء "التسهيلات"، قواعد العمل، المؤشرات على الأداء والجودة، التصميم، التوظيف والتدريب، آلية الاستثمار، اتخاذ القرارات وغيرها من الإجراءات والسياسات الواجب تأسيسها عند اكتمال الخطوات الأولى في نموذج العمل.
هذه لمحة بسيطة ومختصرة عن كيفية بناء نموذج عمل ناجح أتمنى أنها تستطيع مساعدة رجال الأعمال والتنفيذيين ورياديي الأعمال في عملهم، وتقلل من الأخطاء التي يقعون فيها أثناء بحثهم وتصميمهم نموذج عمل جديدا.
السؤال الآن الذي قد يتساءل عنه أصحاب الأعمال الحاليون، هل يجب علي أن أغير نموذج العمل الحالي؟ وكيف أعرف متى يجب علي تغييره؟ الإجابة ستكون -بإذن الله- في المقال القادم، وهو الجزء الثالث والأخير من هذه السلسلة عن نماذج الأعمال.

إنشرها