السعودية وباكستان .. التحالف القوي

|


تأتي زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، إلى عدد من الدول الشقيقة والصديقة، بناء على توجيه خادم الحرمين الشريفين، واستجابة للدعوات المقدمة لولي العهد. ومن الطبيعي أن تجد جولة ولي العهد كل هذا الاهتمام العالمي لأسباب عدة، منها أن الأمير محمد بن سلمان يقود حراكا اقتصاديا عالميا، وأثبتت جولاته السابقة تأثيره العميق في إصلاح الاقتصاد العالمي، ومن ذلك إصلاح أسواق النفط، ونؤكد هنا كلمة رئيس روسيا الاتحادية بشأن الدور الكبير الذي قام به ولي العهد السعودي، في استقرار أسواق النفط، لهذا يترقب العالم مزيدا من النجاح من هذه الجولة الجديدة، كما أن الجميع كذلك يترقب مزيدا من النجاح مثلما تحقق سابقا في جولات ولي العهد في الولايات المتحدة وعدد من دول الاتحاد الأوروبي. وتأتي زيارة ولي العهد لدول شرق آسيا ذات الثقل السياسي والاقتصادي الكبير، لتبدأ زيارته من باكستان ذات العمق والتأثير السياسي الإسلامي، كما تشمل زيارته -حفظه الله- الهند، والصين الشعبية، وهاتان الدولتان بالذات ذواتا عمق اقتصادي عالمي، وتأثيرهما في السياسات الاقتصادية العالمية بالغ الأثر، كما أنهما تحققان التوازن في النمو العالمي، وللمملكة علاقات اقتصادية متينة معهما، ومن المرتقب أن تكون لهذه الزيارة نتائج كبيرة على برنامج تطوير الصناعة والخدمات اللوجستية، وفقا لـ "رؤية المملكة 2030"، خاصة ما يشهده هذا البرنامج من دعم كبير وصل إلى 200 مليار ريال، إضافة إلى الأهمية التي قد تجدها الصناعات العسكرية في هذه الزيارة، وعلى توازن الطلب العالمي على النفط، ذلك أن هذه الدول من أكبر المستهلكين للنفط في العالم.
بالطبع، باكستان تحظى بأولوية في الاهتمام السعودي، وهذا يعود إلى رصيد تاريخي كبير بين البلدين، بدأت بزيارة الملك سعود بن عبد العزيز، إلى باكستان عام 1954، ثم الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1974، ثم الملك خالد بن عبد العزيز عام 1976، ثم الملك فهد بن عبد العزيز عام 1980، ثم الملك عبد الله بن عبد العزيز عام 2006، ثم زيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز، حينما كان وليا للعهد عام 2014، فيما كانت زيارة الأمير محمد بن سلمان، إبان كان ولي ولي العهد. فهذه الزيارة لها امتداد تاريخي كبير من العلاقات المتينة، ولهذا العمق تأثيره السياسي الكبير في توازن القوى في المنطقة برمتها، فالمملكة بثقلها السياسي والدولي والإسلامي، على وجه الخصوص، تعمل دوما على معالجة الصراع الباكستاني- الهندي بالطرق السلمية، وحل مشكلة إقليم كشمير، والمملكة من جانبها تحافظ على علاقات متينة مع الجانب الباكستاني، لما تمثله من قوة في الجانب الشرقي لإيران، وللدور الكبير الذي تقوم به باكستان في محاربة الميليشيات المتطرفة، كما أن المملكة يوجد على أراضيها عدد كبير من العمال الباكستانيين، إضافة إلى الدور الكبير الذي تقوم به في خدمة الحجاج القادمين من باكستان، هذا إلى جانب العلاقات العسكرية القديمة والوثيقة بين البلدين، وهذا التاريخ السياسي والعسكري أنشأ حلفا قويا بينهما كان له أثر بارز في حسم كثير من القضايا لمصلحة البلدين.
اقتصاديا، فإن باكستان تشارك المملكة في أن أغلبية السكان هم من الشباب، إذ يبلغ متوسط العمر في باكستان 25 عاما، وعدد السكان ينمو بنحو 6 في المائة سنويا، وهي بلد نامٍ يعتمد على الزراعة وهي تواجه عديدا من التحديات الاقتصادية الكبيرة، والمملكة اليوم تقودها "رؤية 2030" التي تعمل على تنوع الاستثمارات، وإيجاد تنوع اقتصادي مع جذب الاستثمارات العالمية، وهنا تتحفز باكستان للاستفادة القصوى من زيارة الأمير محمد بن سلمان، ومن المتوقع أن تشهد الزيارة كثيرا من النقاشات في هذه المجالات، التي قد تنتهي باتفاقيات مهمة للاقتصاد الباكستاني، خاصة أن ولي العهد يعمل بجهد لقيادة العالم الإسلامي، إلى مرحلة جديدة من التعاون والازدهار. ونظرا لأن التعاون العسكري بين المملكة وباكستان له عمق تاريخي كبير، ولباكستان تجارب واسعة في أنواع معينة من حروب العصابات؛ ما جعلها تتقن كثيرا من الفنون في هذا المجال، فقد تنتج من ذلك فرص استثمارية كبيرة للصناعات العسكرية بشكل عام وللصناعة العسكرية السعودية بشكل خاص، فقد أولى الأمير محمد بن سلمان اهتماما كبيرا بمجالات تطوير الصناعات العسكرية، ومن المتوقع أن تجد باكستان فرصة لبناء قواعد عمل جديدة مع المملكة. لا شك أن زيارة الأمير محمد بن سلمان، مهمة جدا للجانب الباكستاني، ولهذا فإن مظاهر الفرح والسرور بهذه الزيارة كانت ظاهرة في الاستعدادات التي أعلنتها باكستان، لاستقبال الضيف الكبير، وهو اهتمام تجاوز المستوى السياسي حتى المستوى الشعبي، نظرا لما تمثله المملكة من أهمية للشعب الباكستاني المسلم الذي يدرك ويثمن الجهود الكبيرة التي يبذلها ملوك هذه البلاد في خدمة الإسلام والمسلمين.

إنشرها