الابتكار .. آلية تنفيذ «رؤية السعودية 2030»

|


يعتبر الابتكار من أهم آليات تنفيذ "رؤية السعودية 2030"، والابتكار ليس مطلبا محليا فقط، بل هو التحدي الأعظم الذي تسعى إليه كل دول العالم لدعم العلوم والتكنولوجيا من أجل الإسراع في تحقيق خططها التنموية الكبرى.
وإذا كان الابتكار في الإنتاج مطلبا أساسيا، فإن الابتكار الذي نعنيه هنا هو الابتكار في الأفكار للوصول إلى الحلول غير التقليدية.
حتى وقت قريب كان إنتاج المعرفة والتكنولوجيا العالمي يتركز في عدد قليل من الاقتصادات الصناعية الكبرى، أو ما كان يعرف باسم مجموعة الخمس، وهي: الولايات المتحدة، واليابان، وألمانيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة. ومن خلال هذه المجموعة كانت ثلاثة أرباع الابتكارات المسجلة كبراءات اختراع على مستوى العالم من إنتاج هذه الدول الخمس، لكن مع انتشار ظاهرة العولمة والتقدم في تكنولوجيا المعلومات زادت إمكانات نقل المعرفة بوتيرة أكبر وإلى مسافة أبعد، ما أتاح فرصا أكبر أمام اقتصادات الأسواق الصاعدة، وبالذات أسواق كوريا الجنوبية والصين والهند، بمعنى أن نقل التكنولوجيا هو العنصر الأساس لنشر المعرفة وتحسين اقتصادات الدول، وبالتالي رفع مستويات معيشة الحياة.
وما يجب أن نشير إليه في هذا الصدد أن اقتصادات الأسواق الصاعدة استفادت من سهولة الحصول على المعرفة العالمية لتحسين قدراتها الابتكارية والإنتاجية، بل ثبت أن التدفقات المعرفية من مجموعة الخمس قد أعطت دفعة كبيرة للابتكار في الدول الصاعدة مثل الصين وكوريا الجنوبية والهند، ونذكر على سبيل المثال أن شركة صينية قامت في عام 2014 ببناء قرية تضم عشرة منازل باستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد في أقل من يوم واحد، وفي عام 2017 تم افتتاح امتداد طريق سريع يحول ضوء الشمس إلى كهرباء بالطاقة الشمسية، وينقلها مباشرة إلى شبكة الكهرباء في جينان شرقي الصين، كذلك قامت كوريا الجنوبية بتشغيل طريق يعيد شحن المركبات الكهربائية لاسلكيا عبر الإنترنت أثناء سيرها عليه، وهناك كثير وكثير من الإنجازات المذهلة، وهذه مجرد نماذج للتقدم التكنولوجي المبهر الذي حققه بلدَانِ من البلدان التي حققت تقدما مبهرا في مجالات تكنولوجيا المعلومات.
ولا شك أن المستقبل يحمل كثيرا من المفاجآت التي تبشر بها التكنولوجيا لعالم جديد يتجدد بخطى مبهرة ومذهلة.
إن بناء مجتمع المعرفة سيفرز مجتمعا قادرا على إنتاج المعرفة وتصميم الرؤى واستخدامها لتطوير الأحوال المحيطة بالمجتمعات، والمجتمع القادر على إنتاج المعرفة هو المجتمع القادر على قهر التخلف، ولذلك من التحديات التي سيطرحها العصر الاصطناعي في سوق العمل، التنافس الحاد بين الذكاء الاصطناعي والذكاء الإنساني.
وفي الأيام القليلة الماضية تداولت وسائل الإعلام أخبارا مفادها أن الأتمتة ستحل محل 800 مليون إنسان، أي: إن سوق العمل سترمي 800 مليون موظف خارج سوق العمل العالمية وتحيلهم إلى موظفين عاطلين عن العمل.
ولقد انفجر هذا الخبر وسط الناس مثل القنبلة الموقوتة، فبدأ الهرج والمرج في الأسواق، وبدأ القلق على الوظيفة يساور كثيرا ممن تشغلهم ظروف العيش في الحياة بكرامة.
وأمام القلق الذي ساور الناس بادرت شركات التوظيف في الدول المتقدمة بتصميم برامج تدريبية متعددة لتمكين الإنسان من المهارات الذكية التي بدأ الذكاء الاصطناعي يبرع فيها ويحقق تفوقا مذهلا على الإنسان، وهذه البرامج ستمكن الإنسان الذكي من العودة إلى سوق العمل من خلال الوظائف الرقمية التي تتلاءم مع سوق العمل الجديدة.
حتى نوضح هذا التنافس بين الذكاء الإنساني والذكاء الاصطناعي دعونا نقدم صورة تاريخية مرت بها سوق العمل العالمية تشبه إلى حد كبير الصورة التي ستكون عليها سوق العمل في المستقبل القريب.
في الخمسينيات الميلادية وبعد الحرب العالمية الثانية بدأ العالم يدخل عصرا اصطناعيا جديدا توج بتكنولوجيا الكهرباء التي غزت الأسواق في كل أنحاء العالم، وبدأ الناس يغيرون حياتهم ويستخدمون الطائرات والسيارات والغسالات والثلاجات والمطابخ الكهربائية وآلات الطباعة والمصانع العصرية والمستشفيات، وبدأوا يضيئون ويزينون شوارع مدنهم بالثريات الكهربائية، أي إن الكهرباء دخلت في كل تفاصيل حياتهم، وأصبحت أحد المقومات الأساسية في حياة الإنسان اليومية.
وبذلك أضحت الكهرباء هي المحرك الأعظم للوظائف الجديدة في سوق العمل في كل مكان من العالم، بل أصبحت الكهرباء هي المحرك للاقتصاد في كل دول العالم ومن دونها لا يمكن أن تقوم للحياة قائمة.
إذًا جاءت تكنولوجيا الكهرباء بتغيرات شاملة في كل أوجه حياة الإنسان، وتبعا لما غيرته الكهرباء فقد تغير نمط الحياة، وتغيرت الوظائف في الأسواق، وأصبح الإنسان الذي يستخدم يده وعضلاته لا وجود له، بل أصبح الإنسان يدير شؤونه من خلال أزرار تكفي للقيام بأعمال مبهرة.
الصورة الآن تبدو هكذا: نحن أمام تكنولوجيا جديدة تقدمها تكنولوجيا المعلومات للعالم، ومطلوب من الناس جميعا أن يتعلموا كيف يديرون ويستفيدون من هذه التكنولوجيا الجديدة التي بدأت تفرض سيطرتها وسطوتها في كل أسواق العالم، إنه العصر الاصطناعي الذي يراهن على مستوى من الذكاء يفوق الذكاء الإنساني، ما يعني ضرورة أن يكون الإنسان على مستوى التحدي، ويعمل بكل قواه من أجل أن يكون في مستوى المنافسة والندية مع هذا المنافس الشرس.
إنني أهيب بالجامعات أن تضطلع بمسؤولية بناء العقل السعودي من أجل تنفيذ "رؤية السعودية 2030".
إن تطوير العقل السعودي ودعمه بالمعرفة الجديدة صناعة بالغة الأهمية؛ لأن السعودية في هذه المرحلة تحتاج إلى عقول سعودية مبدعة تبتكر الحلول غير التقليدية للسير قدما في تحقيق برامج التنمية الشاملة، ولا شك أن التعليم المتميز هو العمود الفقري لمشروع بناء العقل السعودي، والمؤكد أن الجامعة هي التي تبني العقل والوجدان، وتؤسس المواطن على الأفكار الصحيحة الخلاقة التي على قواعدها تبنى الأوطان.

إنشرها