الدين العالمي ينقل إلى المستقبل

|


ستبقى أزمة الديون العالمية حاضرة على الساحة الدولية لعقود طويلة، وهذه الأزمة متوالدة، بمعنى أنها ماضية في الارتفاع كل عام، حيث بلغت مستويات هائلة. ففي نهاية عام 2017 تقريبا بلغ مجموع الدين العالمي 250 تريليون دولار في الوقت الذي تدل فيه المؤشرات على أن هذا المستوى سيرتفع في غضون السنوات، بل العقود المقبلة. بينما أظهرت الحكومات فشلا ذريعا في الحد من ديونها، ما فاقم هذه الأزمة. فحتى في البلدان الأكثر تقدما وصل الدين العام فيها إلى أكثر من مجموع الناتج الإجمالي المحلي لديها. وفي القارة الأوروبية تفاقمت قبل سنوات الأزمة إلى درجة أنها هددت اقتصادات مثل اليونان والبرتغال حتى إسبانيا بالانهيار. فعلى سبيل المثال، لولا تدخل الاتحاد الأوروبي ولا سيما ألمانيا لانهارت فعلا، وتعمل حاليا بشروط عمليات الإنقاذ الأوروبية.
المهم: إن الديون العالمية صارت وباء ينتشر، لكن هناك بارقة أمل، وإن كانت بسيطة، تتعلق بتراجع ارتفاع ديون المؤسسات المالية في أعقاب اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية. والسبب الرئيس وراء هذا التطور الإيجابي أن الحكومات تمكنت حقا من فرض سلسلة من التنظيمات والمعايير والقيود الجديدة الصارمة. لكن هذا لا يمنع أن الاقتصاد العالمي عليه مواجهة الحقيقة الماثلة على الساحة، وهي وصول الديون إلى مستويات يمكن أن يطلق عليها تعبير "غير مقبولة" في أحسن الأحوال. فحتى ديون الأسر زادت بمعدل عشرة تريليونات دولار، وهو ما يضيف مزيدا من القتامة على الصورة العامة. وبالطبع هناك كثير من الأسباب وراء هذه المسألة، ولا سيما أن الارتفاع الحاصل في الدين العالمي جاء حتى في أعقاب خروج العالم من آثار الأزمة الاقتصادية المشار إليها.
ويبقى السبب الرئيس هو المتعلق باعتماد الحكومات سياسة الإبقاء على مستويات الفائدة منخفضة، ما شجع بالتالي الشركات على تسريع وتيرة الاقتراض، مستغلة بالطبع انخفاض معدلات الفائدة. وهذا يدخل "كما هو معروف" في استراتيجية التيسير الكمي. ولا شك أن وتيرة ارتفاع الديون تصاعدت بقوة في الفترة التي أعقبت الأزمة المذكورة، خصوصا على صعيد الشركات والمؤسسات التي عانت الانهيار أو شبه الانهيار جراء الأزمة. ورغم أن المختصين الاقتصاديين لا يرون مشكلة كبيرة في ماهية الدين العالمي إلا أنهم يعتقدون أن هذه المشكلة تكمن في الخطر الذي يواجه الاقتصاد العالمي جراء الارتفاع في أسعار الفائدة، فيما يختص بالديون الخاصة بالشركات والمؤسسات غير المالية. فهذا النوع من الشركات يواجه أزمة حقيقية خصوصا تلك التي تعمل في البلدان الناشئة.
وهنا يظهر عامل آخر فيما يخص ديون هذه الشركات. فالمعارك التجارية الراهنة التي ترقى في بعض الأحيان إلى مرحلة الحروب تزيد من الضغوط على الشركات المشار إليها. وهذا يعني أنها تعاني عجزا في سداد الديون. ولا تبدو في المرحلة المقبلة علامات تدل على إمكانية تراجع هذه المعارك، حتى في ظل المشاورات الراهنة التي تجري بين الصين من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، للوصول إلى صيغة أمثل لحل الخلافات، في حين أن التوتر بين واشنطن وعواصم عديدة ولا سيما أوروبية لا يزال قائما بصورة أقل حدة. لا شك أن أزمة الديون العالمية ستبقى على الساحة بأشكال مختلفة، ولا بد من تفاهمات واقعية على الساحة الدولية للتعاطي العملي مع هذه الديون. إنها أعباء هائلة تنتقل دائما إلى المستقبل.

إنشرها