سياسات التنمية .. والتفكير في إعدادها

|

طرحنا في مقال سابق موضوع "سياسات التنمية" والحاجة إليها من أجل حل المشكلات القائمة في مختلف المجالات والتوجه نحو مستقبل أفضل. وتطرقنا إلى ما تقوم به جامعة هارفارد، إحدى أهم الجامعات العالمية، في هذا المجال على المستوى الدولي. وذكرنا أن هناك منهجية تعتمدها "هارفارد" في إعداد مثل هذه السياسات، لكننا لم نقدم على طرحها. غاية هذا المقال بيان هذه المنهجية ومناقشة خطواتها، وصولا إلى استخلاص بعض المعطيات حول موضوعها. وتأتي أهمية هذا الأمر من حقيقة أن سياسات التنمية والتطوير مطلوبة لكل وحدة استراتيجية، ابتداء من الإنسان الفرد، حتى الأسرة والمؤسسة والدولة، وربما العالم بأسره.
تشمل منهجية "هارفارد" في إعداد سياسات التنمية والتطوير والعمل على تنفيذها ست خطوات رئيسة. تقضي الخطوة الأولى "بالتعريف Identify" بالمسألة المطروحة للتطوير وبيان الحقائق بشأنها؛ وتهتم الثانية بدراسة حالة هذه المسألة و"تشخيص" Diagnose المشكلات التي تواجهها. وتركز الخطوة الثالثة على "تصميم Design" سياسة واعدة تؤدي إلى حل المشكلات ورسم طريق التنمية والتطوير المنشود؛ ثم تأتي الخطوة الرابعة لتهتم "بالتنفيذ" Implement وإيجاد الأساليب المناسبة لذلك. وتسعى الخطوة الخامسة بعد ذلك إلى "اختبار" Test هذه الأساليب وتقييمها وتبني أفضلها؛ وتأتي الخطوة السادسة والأخيرة لتقوم "بالتحسين" Refine عبر مراجعة نقدية لكل ما سبق من خطوات وتقديم النتائج المرجوة. وسنلقي مزيدا من الضوء على كل من هذه الخطوات فيما يلي.
تمثل الخطوة الأولى الخاصة بالتعريف بالمسألة المطروحة المنطلق المعرفي لجميع الخطوات التالية، فلا بد للمعلومات التي يتم الحصول عليها عبر هذه الخطوة أن تكون صحيحة، وأن تكون أيضا متكاملة وغير منقوصة. فإذا عانت أي قصور انعكس ذلك سلبيا على جميع الخطوات التالية. وينصح في هذا المجال أن تتم هذه الخطوة بمشاركة جميع أصحاب العلاقة بالمسألة الذين يعيشونها على أرض الواقع، وذلك إلى جانب الباحثين المسؤولين عن إعداد السياسة. كما ينصح إضافة إلى ذلك بتصنيف المعلومات التي يتم الحصول عليها تبعا لمدى أهميتها. وعلى أساس اكتمال المعلومات في هذه الخطوة بالشكل المأمول يأتي الانطلاق نحو الخطوة الثانية.
تعمل الخطوة الثانية على دراسة حالة المسألة و"تشخيص" مشكلاتها، وتعتمد في ذلك على ما يتم جمعه وتصنيفه من معلومات في الخطوة السابقة. وتحتاج هذه الخطوة ليس فقط إلى تحليل الباحثين وتفكيرهم، بل إلى أفكار أصحاب العلاقة أيضا، فذلك يعطي عمقا في تحليل أسباب المشكلات القائمة. وتبرز في موضوعات التنمية والتطوير المختلفة الحاجة إلى أخذ "العوامل المالية والاقتصادية والاجتماعية" المرتبطة بالمسألة المطروحة في الاعتبار. وكذلك البحث في المتطلبات على أساسها، مع ضرورة إعطاء "أدلة Evidence" توثق ما يتم التوصل إليه.
تبدأ بعد ذلك الخطوة الثالثة الخاصة "بتصميم" السياسة الواعدة المنشودة. وتحتاج هذه الخطوة إضافة إلى مخرجات الخطوتين السابقتين، إلى "إطلاق العنان للتفكير "في مختلف جوانب المشكلات المطروحة من أجل "الإبداع والابتكار" في تقديم الحلول المناسبة، وتقدير متطلباتها، وتصميم السياسة اللازمة لتنفيذ هذه الحلول.
تتلقى الخطوة الرابعة معطيات السياسة التي حددتها خطوة التصميم، لتعمل على نقلها إلى أرض الواقع ووضعها موضع "التنفيذ". وقد يكون هناك عدة أساليب أو مسارات ممكنة للتنفيذ. وفي هذا الإطار، قد يبدأ التنفيذ "بمشاريع أولية استدلالية" Pilot Projects تركز على جانب محدد من المسألة قبل الانتقال إلى الجوانب الأخرى. وتعتمد الخطوة الخامسة المعنية "بالاختبار" بعد ذلك على المراقبة والقياس من خلال مؤشرات تتبع طبيعة المسألة المطروحة.
ونصل إلى الخطوة السادسة والأخيرة وهي خطوة "التحسين" Refinement التي تعمل على إعادة النظر في معطيات جميع الخطوات السابقة، وتحديد أي سلبيات فيها، والعمل على معالجتها. وفي سبيل الحصول على تحسين مستمر للسياسة المستخلصة عبر الخطوات السابقة، تقوم هذه الخطوة، بتفعيل تكرار العمل بالخطوات الست سابقة الذكر بصورة دورية. ويتناسب هذا الأمر مع موضوعات التنمية والتطوير التي تشهد عوامل متجددة باستمرار، حيث يؤدي "تكرار الخطوات" إلى استيعاب هذا التجدد والاستجابة لمتطلباته.
ليست منهجية الخطوات الست سابقة الذكر، ومسألة تكرارها دوريا، إبداعا من إبداعات "هارفارد"، في مجال إعداد سياسات تحل مشكلات التنمية والتطوير في مختلف المجالات. فهناك منهجيات أخرى تطرح خطوات قريبة من خطواتها. ومثال ذلك منهجية "الأبعاد الستة" Six Sigma في التطوير الإداري المتواصل. وتشمل هذه المنهجية عادة خمس خطوات رئيسة هي: "التعريف" Define بالوضع الراهن؛ و"تقييمه" Measure من خلال مقاييس مناسبة؛ و"تحليل" Analyze معطياته؛ والقيام "بتحسينه Improve"؛ ثم تفعيل هذا التحسين عبر "التحكم" Control به؛ إضافة إلى إعادة تطبيق هذه الخطوات دوريا.
يبدو واضحا مما سبق أن منهجية "هارفارد" في إعداد السياسات وتطويرها بشكل متواصل، ومنهجية الأبعاد الستة في التطوير الإداري المتواصل، والمنهجيات المماثلة الأخرى، تستند إلى "تفكير منطقي متدرج" تعتمد كل خطوة فيه على الخطوة التي تسبقها وتمهد للخطوة التي تليها، في تسلسل يبدأ ويتواصل ولا ينتهي مستوعبا عبر تكراره دوريا المتغيرات والمعطيات المتجددة عبر الزمن. ولعل من المفيد هنا الإشارة إلى أن التفكير في إطار بعض الخطوات مثل "التشخيص، والتحليل، والتصميم" لا يكون بالضرورة "متسلسلا" وإنما قد يكون منطلقا يجوب في مختلف جوانب المسألة المطروحة ليقدم "حلولا وسياسات مبتكرة". وهكذا يكون التفكير في الإطار العام للخطوات المطروحة إجرائيا متسلسلا، ويكون في الإطار الداخلي لبعض الخطوات منطلقا يجوب باحثا عن "أفكار إبداعية" في مختلف الجوانب المطروحة.
وهكذا نجد أن "التفكير التسلسلي المتدرج" موجود في خطوات إعداد سياسات التنمية والتطوير؛ وأن "التفكير المنطلق نحو الإبداع والابتكار" موجود في مضمون بعض هذه الخطوات. وإذا نظرنا، في هذا المجال، إلى "الوحدات الاستراتيجية المترابطة"، مثل تلك الخاضعة لإدارة مشتركة، أو عاملة في مجال مشترك، نجد أن من المناسب لها: "اعتماد منهجية موحدة" في خطوات إعداد سياساتها العاملة على التنمية والتطوير، وربما "الشراكة في الأفكار الإبداعية" أيضا، لأن ذلك يفعّل قدرتها على التواصل والتعاون وتبادل الخبرات، وتحقيق أفضل النتائج.

إنشرها