FINANCIAL TIMES

الصراع الأمريكي ـ الصيني الحالي يحاكي ماضي أوروبا المتقلب

إليكم قصة ينبغي أن تكون مألوفة. قوة عظمى، ليس لها نظير من حيث القوة العسكرية والبراعة التكنولوجية، تصدر أنموذجها الاقتصادي للتجارة الحرة إلى جميع أنحاء العالم. الحدود تنهار، والمسافات تتقلص، والعالم يبدو أصغر.
لكن تجاوزات السوق والاختلال السياسي يدفعان البلدان الأخرى في نهاية المطاف إلى التشكيك في حكمة نهجها، وتصعد قوة أخرى ـ قوة تستند هيمنتها إلى نظام يعتمد على النزعة القومية الاقتصادية والسياسة الصناعية. مع ازدهار الأخيرة، أصاب الركود الأولى، ما أشعل فتيل نزاع لم يؤد إلى حرب فحسب، بل إلى تراجع استمر عقدا من الزمان في التجارة العالمية والأصول المالية.
أنا أشير بالطبع إلى الموجة الأخيرة من العولمة التي شملت بريطانيا العظمى وألمانيا، وانتهت في آخر المطاف بالحرب العالمية الأولى والكساد العظيم. كان ذلك ازدهارا استمر نحو ثمانية عقود، تضاعفت خلالها التجارة العالمية والانفتاح المالي تقريبا. لكن، كما ذكر بنك التسويات الدولية في تقريره السنوي لعام 2017 "انهيار الموجة الأولى كان لافتا للنظر بقدر بنائها"، ما أدى إلى"تفكيك شبه كامل" للتجارة والتدفقات المالية العابرة للحدود.
لم تتوقع الأسواق حدوث ذلك. وعلى الرغم من أني أخاطر بأن أكون كمن تسبب في لعنة كاساندرا، أتساءل ما إذا كانت الأسواق غافلة، بقدر غفلتها سابقا، عما يحدث اليوم مع الولايات المتحدة والصين. الصراع بين هاتين القوتين العظميين له أوجه تشابه واضحة مع القصة السابقة، ليس فقط من حيث تعارض النماذج الاقتصادية وتزايد النزعة القومية، بل أيضا من حيث الجدول الزمني لفترات الازدهار والكساد. رغم كل شيء، فقد مضى أكثر من سبعة عقود منذ أن بدأت الموجة الحالية للعولمة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
استعادت أسواق الأسهم التي تملّكها الخوف في أواخر العام الماضي، كثيرا من خسائرها. حدث هذا على الرغم من أن كل يوم يبدو أنه يحمل نذيرا جديدا بصراع أكبر بكثير من فول الصويا، أو الصلب، أو الرسوم الجمركية.
حدثان أخيران، بالنسبة لي، عملا على تحريك مؤشر القلق في الأسواق من اللون الأصفر إلى اللون الأحمر. الأول كان طلب الولايات المتحدة بأن تعتقل كندا المديرة المالية في شركة هواوي وتسلمها لها، بعد قرارها بتوجيه الاتهام إلى الشركة الصينية لصناعة الرقائق بالتجسس وانتهاك العقوبات. وكما قال المستثمر لوك جرومن في رسالته الإخبارية الأخيرة، مكتب التحقيقات الفيدرالية أعلن فعليا "الوقت الرسمي لموت العولمة".
كذلك زادت الولايات المتحدة من الضغط على حلفائها لتحد من قدرة شركة هواوي على ممارسة أعمال تجارية في أسواقها - وهو أمر يعكس المشاعر التي تختمر منذ مدة في أماكن مثل ألمانيا، التي تدعم مرة أخرى السياسة الصناعية و"الأبطال الوطنيين".
هذا يؤكد حقيقة أن قوة الدفع السياسية لإنهاء العولمة لم تبدأ مع إدارة ترمب ولا تنتهي معها. فلم يعد ذلك يقتصر على اليمين المتطرف أو اليسار المتطرف. يبدو أن معظم المرشحين الديمقراطيين للرئاسة عام 2020، المعلن عنهم - إليزابيث وارن، وكمالا هاريس، وكيرستين جيليبراند، وشيرود براون - بدأوا يعتنقون الرأي القائل إن العلاقة الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين يجب أن تتغير بشكل كبير.
هناك بالفعل عدد من الجهود التشريعية من الحزبين تتعلق بأمور مثل السرقة الصينية للملكية الفكرية وانتشار النفوذ الصيني في الولايات المتحدة. كبح الروابط الاقتصادية بين الولايات المتحدة والمملكة الوسطى لم يعد ينظر إليه على أنه "تقريع للصين"، بل أصبح وجهة النظر السائدة.
الأمر الثاني الذي يجب على الأسواق أن تخشاه هو التحذير الأخير من لجنة من الشخصيات البارزة في وول ستريت تقدم المشورة إلى وزارة الخزانة الأمريكية. تشير تقديراتهم إلى أن الحكومة الفيدرالية ستضطر إلى بيع سندات بقيمة 12 تريليون دولار في العقد المقبل لتمويل دينها الوطني المتزايد، في وقت تتراجع فيه المشتريات الصينية من سندات الخزانة الأمريكية.
وتكهن محللون منذ فترة طويلة بما سيحدث إذا توقفت الصين عن تمويل ديون الولايات المتحدة. لكن هذه المسألة برزت الآن في الوقت الذي يزداد فيه الدين في العالم أكثر من أي وقت مضى. مستويات الديون السيادية العالمية اليوم أعلى كثيرا مما كانت عليه بعد الجولة الأخيرة من انتهاء العولمة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. المنتجات المالية توسعت بشكل أسرع بكثير من الاقتصاد الحقيقي، بحيث أصبحت الأصول المالية أكثر من ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يضاعف بالطبع تأثير أي تصحيح.
انتهاء العولمة عملية معقدة وبطيئة لم تكتمل بعد. لكن الشركات تتعرض بالفعل لضغوط متزايدة لاختيار ما إذا كانت ترغب في ممارسة أعمالها التجارية في الولايات المتحدة، أو في الصين، خاصة في المجالات المثيرة للنزاع، مثل شبكات الجيل الخامس. أخيرا سألت تشاك روبنز الرئيس التنفيذي لشركة سيسكو، ما إذا كان قلقا بشأن الآثار السياسية لكون سيسكو شركة أمريكية تعمل على توصيل المدن الذكية في الصين. أجاب، في محاولة للتمييز بين دور الشركة الخاصة ودور الشركة التابعة للدولة: "الصين تمتلك البيانات، ونحن نوفر فقط البنية التحتية".
لكن تحديد هذا الخط الفاصل أصبح أكثر صعوبة. خلال الأشهر القليلة المقبلة، مع استمرار المحادثات التجارية بين الولايات المتحدة والصين والإعداد للسباق الرئاسي لعام 2020، قد نشهد تحولات في سلاسل التوريد وتدفقات الاستثمار عبر الحدود التي كانت تبدو مستحيلة في يوم من الأيام.
ما الذي يعنيه هذا بالنسبة للأسواق؟ يجادل جرومن بأن "هوامش أرباح الشركات الأمريكية باعتبارها نسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن تنخفض بسهولة بنسبة تراوح بين 30 و 60 في المائة فقط، لتعود إلى النطاق طويل الأمد" الذي كان موجودا قبل دخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية وإثارة الازدهار التجاري.
حان الوقت لإعادة التفكير في خيارات الاستثمار وإعادة قراءة التاريخ.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES