FINANCIAL TIMES

أي مستقبل للجامعات في بريطانيا ما بعد «بريكست»؟

بدت كلية الدراسات الشرقية والإفريقية رمزا للاستقرار عندما احتفلت بمرور مائة عام على تأسيسها في عام 2016، من خلال تولي مهام وتحديث مبنى المجلس الأعلى للجامعة المهيب في وسط لندن.
كانت خطوة جريئة لاجتذاب أفضل الطلاب. بعد ثلاث سنوات، أصبح مستقبلها أكثر اضطرابا بكثير، حيث انخفض مدخولها من طلاب السنوات الجامعية الأولى بنسبة 40 في المائة، ولديها عجز تشغيلي قدره سبعة ملايين جنيه استرليني.
"المنافسة قاسية"، كما يقول ستيفن هوبجود، المدير الدولي للبرامج في الكلية. "نحن كلية صغيرة ومتخصصة، وإذا تم تخفيض الرسوم الجامعية لطلاب شهادة البكالوريوس، سيكون من الصعب جدا على مؤسسة بحجمنا أن تبقى على قيد الحياة. لم تكن الأمور أبدا قاسية بمثل ما هي عليه الآن".
ويردد هذا الرأي كثير من أقرانه في جميع أنحاء قطاع الجامعات في المملكة المتحدة الذين يشعرون بالضغط المالي بسبب خليط من الضغوط المحلية، وازدياد حدة المنافسة الدولية ونقاش متزايد حول قيمة التعليم العالي لنسبة متزايدة من السكان الذين يدرسون في الجامعة، في وقت تتصاعد فيه التكاليف.
عدد قليل من البلدان خارج الولايات المتحدة يتطابق مع مدى تحول التعليم العالي الإنجليزي إلى عمل تجاري على مدى العقدين الماضيين.
الجامعات علقت في جانب واحد من خلال ضوابط الحكومة وتحرير القيود التنظيمية، ومن جانب آخر من خلال ارتفاع التكاليف والتوسع السريع في المؤسسات.
الديون التي يتم تكبدها خلال دورة دراسية للبكالوريوس نموذجية لمدة ثلاث سنوات تزيد الآن في المتوسط على 50 ألف جنيه استرليني لكل طالب.
وتشير الحسابات الحكومية إلى أن 30 في المائة فقط من الطلاب المتفرغين في إنجلترا، بدءا من عام 2017، سيسددون قروضهم بالكامل. لكن كثيرا من الشباب ما زالوا يتساءلون عما إذا كان ينبغي عليهم تقديم طلبات لهذه الجامعات.
يقول أليكس جاي، الذي كان يزور الجامعات البريطانية بينما كان يحاول أن يقرر ما إذا كان يسعى للحصول على تدريب في مجال الأمن السيبراني بدلا من ذلك: "الحصول على مؤهل أعلى سيكون مفيدا على المدى الطويل، لكن التكاليف تشكل مصدر قلق حقيقي بالنسبة لي".
كان تأثير ارتفاع التكاليف على جانبي الأطلنطي يشكل ضغطا متزايدا من أجل الإصلاحات من الناخبين والسياسيين على حد سواء.
لقد ارتفعت ديون الطلاب في الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي بلغ 1.5 تريليون دولار، وهو ما وصفه المرشح الديمقراطي للرئاسة بيرني ساندرز في عام 2016، بأنه مستوى "فاحش" فيما كرر مطالبه بأن تكون رسوم التعليم مجانية.
حتى الرئيس دونالد ترمب طالب في أواخر العام الماضي بتخفيف شروط قروض الطلاب الفيدرالية.
في المملكة المتحدة، تضاعفت أعداد طلاب التعليم العالي منذ إدخال القروض الطلابية في التسعينيات، وتشجيع الحكومة لتوسيع التعليم العالي لتصل النسبة إلى 50 في المائة من خريجي المدارس - نحو نصف مليون طالب جامعي في السنة.
كان هناك انفجار في عدد المؤسسات التعليمية، التي يبلغ مجموعها الآن أكثر من 450؛ وإنشاء مبان وجامعات جديدة ممولة من الديون؛ وتوفير مجموعة واسعة من الدورات الدراسية.
الآن بدأت الشقوق تظهر. في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، على سبيل المثال، تم الاستحواذ على الكلية الجديدة للعلوم الإنسانية في لندن - وهي مؤسسة خاصة لم يتم اعتمادها بالكامل كجامعة - من قبل شركة نورثيســــترن Northeastern الأمريكية.
في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، سلمت جامعة مانشستر متروبوليتان حرم كرو الجامعي إلى الذراع التعليمية لمجموعة أبولو الصحية الهندية.
وبالتعاون مع جامعة باكنجهام، ستقدم شركة أبولو خدمات طبية على الموقع.
يقول السير أنتوني سيلدون، نائب رئيس جامعة باكنجهام: "هذه لحظة حادة للغاية بالنسبة للجامعات البريطانية. عدد كبير للغاية من الضغوط تتجمع الآن بعد فترة من النمو والموافقة والاستحسان الطليق نسبيا. لقد توسعت بشكل كبير، وسيكون هناك نوع من التقليص".
مع ارتفاع تكاليف المباني الجديدة والعجز في المعاشات التقاعدية لكوادر التدريس، من المتوقع أن تتضاعف التوترات هذا العام. أحد العوامل هو لجنة مدعومة من الحكومة يرأسها رجل الأعمال والمؤرخ فيليب أوجار، التي من المقرر أن تقدم تقريرا في الأسابيع المقبلة حول مستقبل التعليم بعد سن 18.
وكما قالت تيريزا ماي، رئيسة الوزراء، عند إطلاق اللجنة العام الماضي: "مستوى الرسوم المفروضة لا تتعلق بتكلفة أو نوعية الدورة. لدينا الآن واحد من أكثر أنظمة التعليم الجامعي غلاء في العالم".
التسريبات حول الخيارات التي يتم فحصها تشتمل على تخفيض الرسوم السنوية الحالية البالغة 9250 جنيها بمقدار الثلث؛ وتقليل الدورة الجامعية القياسية من ثلاث سنوات إلى سنتين؛ وفرض متطلبات دخول أعلى؛ وتحول شامل نحو التركيز على تشجيع مزيد من الطلاب على دراسة الدورات ذات التوجه المهني في كليات التعليم الإضافي.
تعهد حزب العمال المعارض بإلغاء القروض الطلابية تماما في بيانه العام لانتخابات عام 2017.
العامل الثاني هو "بريكست"، الذي يعمل منذ الآن على تثبيط توظيف واستبقاء أعضاء هيئة التدريس والموظفين التقنيين غير البريطانيين، قبل خروج بريطانيا المقرر من الاتحاد الأوروبي في 29 آذار (مارس) المقبل.
كما تستعد الجامعات لإجراء تخفيضات كبيرة في تمويل الأبحاث في الاتحاد الأوروبي. تلقت المملكة المتحدة 11.4 مليار يورو من البرنامج منذ عام 2014، وهي أكبر حصة من أي بلد.
وقد حذرت مجموعة من نواب رؤساء الجامعات من مجموعة راسل للجامعات الرائدة في مجال الأبحاث أخيراً، من أن خروج بريطانيا بلا اتفاقية من شأنه أن يكون "نكسة أكاديمية وثقافية وعلمية سيستغرق التعافي منها عقودا".
من المرجح أن نسخة أقل حدة من "بريكست" ستقلل من حجم طلاب الاتحاد الأوروبي، بافتراض أن رسومهم الجامعية ترتفع من المستوى الحالي، وهو ما يعادل الرسوم التي يدفعها نظراؤهم البريطانيون، إلى رسوم أعلى بمرتين أو ثلاثة أضعاف بالنسبة إلى الطلاب الجامعيين الأجانب الآخرين.
لا تزال الجامعات الاسكتلندية تقدم تعليما أرخص بكثير لمواطنيها ولمواطني الاتحاد الأوروبي، بينما تفرض رسوما متبادلة على الطلاب الإنجليز.
يعني الانخفاض الديموغرافي داخل المملكة المتحدة أن أعداد الطلاب المحليين من المتوقع أن تنخفض خلال العامين المقبلين، حيث ينخفض العدد الإجمالي للأشخاص في سن 18 عاما من ذروة بلغت 830 ألف شخص عام 2009 إلى 711 ألف شخص في عام 2020.
هناك إشارات ضئيلة إلى أن النقص سيتم التعويض عنه من قبل المتقدمين من الخارج. لم يتغير عدد الطلاب الجامعيين المتفرغين في السنة الأولى من خارج الاتحاد الأوروبي، الذي يصل إلى 50 ألف طالب سنويا على مدى السنوات الخمس الماضية، وفقا للبيانات الصادرة عن وكالة إحصاءات التعليم العالي الأسبوع الماضي.
بصرف النظر عن التكلفة، كان أحد الأسباب هو تشديد ضوابط الهجرة في المملكة المتحدة، التي تحد بشدة من قدرة الطلاب الأجانب على البقاء والعمل بعد التخرج.
في المقابل، تقدم الجامعات في كندا وأستراليا شروط تأشيرات أكثر تفضيلا بكثير، وهي تعمل بنشاط للترويج للدورات الدراسية في الخارج.
وفي الوقت نفسه، تستثمر بعض أكبر البلدان تقليديا من حيث عدد الطلاب الذين يذهبون للدراسة، بقيادة الصين، بصورة كبيرة لتقديم شهادات أكثر جاذبية في الوطن.
المرونة المتاحة للجامعات البريطانية لتوليد دخل إضافي محدودة. الحكومة تحدد شروط القروض الطلابية، وهذا يعني أن الجامعات ليس لديها مجال يذكر لزيادة الرسوم.
وبدلا من ذلك، أدى قرار إزالة الحد الأقصى على أحجام الفصول الدراسية في عام 2015 إلى اندلاع معركة بين الجامعات لتوسيع عدد الطلاب المقبولين.
كانت النتيجة تسويقا أكثر قوة من أي وقت مضى للطلاب. كانت هناك حوافز للمتقدمين من قسائم الكتب إلى أجهزة آيباد؛ والاستثمار في مرافق أكثر جاذبية؛ وارتفاع حاد في العروض غير المشروطة غير المرتبطة بنتائج الامتحانات المدرسية؛ و"تضخيم الدرجات" مع قفزة كبيرة - من 16 في المائة إلى 27 في المائة منذ عام 2010 - في منح شهادات الدرجة الأولى.
وقد سمح ذلك لمزيد من المتقدمين "بالارتقاء" إلى مؤسسات أكبر وأكثر فخامة. هذا يؤذي الطلب على الدورات عند الجامعات المنافسة الأقل مرتبة، ويخاطر بإضعاف جودة التعليم ومستوى الدعم من المدرسين إلى الطلاب، الذي يحتاج إليه كثيرون.
بيتر جون، نائب رئيس جامعة غرب لندن، التي لديها كثير من الطلاب من خلفيات عرقية أقلية يحذر: من "أنها (المؤسسات الأعلى مرتبة) لا تدرك ما الذي عليها القيام به للأفراد، الذين ليس لديهم رأس المال الثقافي والاجتماعي في دعمهم والتعامل مع قضايا الصحة العقلية".

شبكة فاينانشيال تايمز
حيث إن الجامعات الأمريكية والبريطانية تشكك في قيمة التعليم في مرحلة ما بعد المدرسة، فما التغييرات التي تستطيع الجامعات والمشرعون وغيرهم القيام بها بحيث يصبح النظام أفضل من حيث خدمة الطلاب – وأصحاب العمل؟ هل هناك نماذج من البلدان الأخرى يجدر بنا النظر فيها؟
من المتوقع أن يرتفع الضغط على الحكومة للتركيز على تمويل الجامعات هذا العام. في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أعاد مكتب الإحصاءات الوطنية تصنيف المعاملة المحاسبية للقروض.
ومن المقرر أن تضيف هذه الخطوة أكثر من 12 مليار جنيه استرليني هذا العام وحده إلى عجز القطاع العام، الذي يقدر بأنه لن يتم سداده أبدا.
مع ضغوطات الميزانية المتنافسة، لا يوجد تعاطف كبير مع ألم القطاع. يقول جيمس كيركوب، رئيس مؤسسة السوق الاجتماعية، وهي مؤسسة فكرية في المملكة المتحدة، إنه تزداد الآن حدة الانتقادات الموجودة منذ أمد طويل التي تقول إن الجامعات - التي تعارض "بريكست" بشكل ساحق - تشجع الطبقات الوسطى.
ويقول: "أستطيع أن أرى بسهولة أن قوى (المناهضين للخبراء) يتم تسليطها على هذا القطاع ما لم يبرهن بشكل واضح على أن مزايا درجة ما تتوافق مع مساهمات من يتمتع بها".
تتحول المناقشة إلى إعطاء أولوية أكبر للأشكال البديلة لتوفير التعليم. أظهر معهد الدراسات المالية في المملكة المتحدة في أواخر العام الماضي أنه - بعد تعديل الأرقام لاحتساب التحصيل العلمي الأعلى سابقا والعائلات الأغنى - كان متوسط الرجل الذي التحق بالجامعة كسب 6 في المائة أكثر من النقاط، ممن لم يتجاوزوا سن التاسعة والعشرين الذين لم يكن لديهم تحصيل سابق أو من عائلة غنية. وكانت المكاسب أعلى بالنسبة للنساء، حيث بلغت 26 في المائة.
وفي حــــين أن العائدات على المدى الطويل قد تكون أعلى، وتوفر الجامعات فوائد أرحب بكثير من مجرد الأجور الأعلى، إلا أن أبحاث شركة آي إف إس IFS تشير إلى وجود تباين واسع في جودة الشهادات والنتائج التي تقدمها للطلاب.
تقول آن سباكمان، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة كارير ريدي Career Ready، وهي مؤسسة خيرية تربط أصحاب العمل بالكليات: "هناك نحو 17 في المائة من طلاب البكالوريوس في المملكة المتحدة يعيشون في منازلهم أثناء دراستهم. وهم يدرسون في الجامعات المحلية في كثير من الأحيان بنتائج تخرج ضعيفة. هذه ليست تجربة أفضل أيام حياتهم التي تعلق في بال كثير من المعلقين الأكبر سنا".
بدلا من تحويل الطلاب الحاليين من الدورات الأكاديمية نحو الدورات المهنية، تقول كيرستي لورد، نائبة رئيس رابطة الكليات، التي تمثل المؤسسات التي تقدم التعليم الفني والمهني، إنه يجب أن يكون هناك تركيز أكبر على تدريب أفضل للنصف الآخر من الأطفال في سن 18 عاما. أي الذين لا يحضرون الجامعة.
وتقول: "هناك قدر هائل من التنطع حول المؤهلات الأكاديمية والتصور بأنها أفضل. نحن بحاجة إلى التفكير في نسبة الـ50 في المائة الأخرى - كيف نتأكد من وجود مسارات بديلة جيدة حقا".
كما يحث ماثيو فيل، كبير مسؤولي السياسة البريطانية في منظمة سي بي آي CBI لأصحاب العمل، على اتباع نهج أكثر دقة. ويقول: "اقتصادنا يتغير، مع ارتفاع الطلب على المهارات أكثر من أي وقت مضى. من الضروري أن يواصل نظامنا التعليمي توفير مجموعة كاملة من المسارات في الوظائف".
وبينما يرحب كثيرون بتحول في نهج الحكومة نحو التدريب المهني والتلمذة الصناعية، فمن المحتمل أن يكون هناك ألم في الجامعات. أبلغ القطاع عن عجز جماعي بقيمة مليار جنيه استرليني في عام 2017، وحذر السير مايكل باربر، رئيس مكتب الطلاب الجهاز التنظيمي المدعوم من الحكومة، في أواخر العام الماضي، من أنه لن تكون هناك "عمليات إنقاذ": يمكن إغلاق المؤسسات أو يفرض عليها أن تندمج مع مؤسسات أخرى.
قد يلحق ذلك ضررا كبيرا بالجامعات ذات المرتبة الأدنى، لكنه سيضغط أيضا على بعض منافسيها الأكثر شهرة.
يقول البروفيسور هوجود من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية: "تتحدث الحكومة عن التنوع في عالم ما بعد بريكست، ولكن عندما تكون صغيرا ومتخصصا، فإنك لا تتمتع باقتصاديات الحجم في قطاع يتزايد فيه التنافس. كنا دائماً قريبين من التعادل. التغيرات الصغيرة ستكون لها آثار ضخمة".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES