FINANCIAL TIMES

إنقاذ الأرض يتطلب تطهير الجو من «الكربون»

يمكن القول إن هناك بشكل عام ثلاث طرق لسحب ثاني أكسيد الكربون من الهواء. إحداها تعزيز أحواض الكربون الطبيعية للأرض، مثل غرس مزيد من الغابات أو استعادة أحواض الأعشاب البحرية بل وعبر الإكثار منها.
الطرق القائمة على الطبيعة لإزالة ثاني أكسيد الكربون تشتمل أيضًا على احتجاز الكربون في التربة، كما هي الحال مع النبتة المثالية، أو باستخدام ممارسات زراعية مختلفة مثل الزراعة دون حراثة، التي يمكن أن تساعد التربة على تخزين مزيد من ثاني أكسيد الكربون.
يقول روجر آينز، رئيس أبحاث الانبعاثات السلبية في مختبر لورانس ليفرمور القومي في ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية: "نحن مهتمون للغاية بكربون التربة لأننا على مدار تاريخ البشرية الحديث، فقدنا ما يعادل 450 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون من التربة الزراعية".
وهو يشير إلى أن استعادة هذا الكربون المفقود يمكن أن تجعل التربة الزراعية أكثر إنتاجية.

الزراعة على مستوى أعلى
إن من شأن الزارعة على سطح أعلى بمترين من تربة الأرض تخزن بالأصل أكثر من ثلاثة أضعاف كمية الكربون الموجودة في الغلاف الجوي، وفقا لما ورد في بحث أخير في مجلة نيتشر سستينابيليتي Nature Sustainability ، ولديهما القدرة على تخزين ما هو أكثر حتى من ذلك.
هناك نهج ثان هو استخدام آلات لامتصاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء، الذي يعرف باسم الاقتناص مباشرة من الهواء.
هذه التقنية تعد صعبة بالفعل، لأن ثاني أكسيد الكربون لا يتركز بشكل كبير في الغلاف الجوي - فهو يشكل فقط 0.04 في المائة من الهواء الذي نتنفسه – وستكون هناك حاجة إلى كثير من الطاقة والمواد الكيميائية لاستخلاصه.
يعمل عدد من الشركات الناشئة على طرق للقيام بذلك بتكلفة أقل، بما في ذلك مجموعة مدعومة من بيل جيتس، تسمى "هندسة الكربون"، إضافة إلى شركة ناشئة أخرى مقرها في زيوريخ تسمى كلايموركس Climeworks.
على أن من المؤكد هو أنه لم يتأت لأي أحد التوصل إلى حل حتى الآن، في هذا الخصوص.
الطريقة الثالثة هي التقاط انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من مصادرها الأولى، أي على سبيل المثال من مداخن محطات توليد الكهرباء أو المصانع وغيرها، ثم حقنها تحت الأرض.
الميزة هي أن ثاني أكسيد الكربون أكثر تركيزا هناك، إلا أن تلك العملية مدعاة لطلب كثير من الطاقة ومن المساحة المماثلة.

أقل من 20 منشأة في الصناعة
يعمل نحو 18 منشأة تجارية لاحتجاز الكربون وتخزينه في جميع أنحاء العالم اليوم، إلا أن أثمان التكنولوجيا الباهظة لا تزال تجعل من المكلف للغاية الرهان على أنه يمكن نشرها على نطاق واسع، في مختلف أنحاء بما يتلائم مع قسوة التحديات ومعدلاتها المتسارعة.
وتضغط شركات النفط والطاقة من أجل إجراء مزيد من الأبحاث حول هذا النهج، الذي يسمى عادة اقتناص الكربون وتخزينه، وقد أقرت الإدارة الحالية في الولايات المتحدة أخيرا امتيازات ضريبية محفزة، لتشجيع الشركات على حقن ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض.
على أن كل هذه الأساليب تعاني عيوبا لا يستهان بها. يعترف جانوس باسزتور، الرئيس السابق لوحدة مكافحة التغير المناخي في الأمم المتحدة، الذي يترأس حاليا مبادرة كارنيجي للحوكمة الجيولوجية للمناخ: إن "تقنيات الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون غير موجودة حتى الآن بالمقياس الذي نحتاج إليه" لمواجهة تحديات تغير المناخ وتصاعد الاحترار العالمي، بالنتيجة.
"إذا فعلنا ما كنا نعرف أنه كان ينبغي علينا القيام به منذ 20 إلى 30 عامًا - تقليل انبعاثاتنا من على الأرض بشكل كبير – لما كنا سنكون ها هنا اليوم. ولن يكون علينا القلق بشأن إزالة ثاني أكسيد الكربون. لقد حان الوقت الآن لكي يدرك صناع السياسة أن عليهم القيام بشيء آخر" حسبما أضاف.

الرهان على الأساليب الطبيعية
إن الأساليب القائمة على الطبيعة الآن الهادفة إلى إزالة ثاني أكسيد الكربون هي أكثر بساطة، ومفهومة بشكل أفضل من كثير من الأساليب القائمة على التكنولوجيا، ما دفع كثيرا من الباحثين إلى القول إنه ينبغي تنفيذها أولا.
زراعة مزيد من الغابات، واستعادة الأراضي الخثية، واستعادة أسراب الحشائش البحرية في المحيطات، تعد جميعا من أسهل الطرق للمساعدة في زيادة أحواض الكربون الطبيعية للأرض.
لقد تبنى كثير من أصحاب المليارات إزالة ثاني أكسيد الكربون كنوع من المشاريع المفضلة، إلا أنها لم تتلق حتى الآن تمويلا حكوميا كبيرا.
أطلق ريتشارد برانسون مسابقة عالمية بقيمة 25 مليون دولار لتكنولوجيا إزالة ثاني أكسيد الكربون في عام 2007، إلا أنه حتى بعد أكثر من عقد من الزمن الآن، لم يتم التوصل إلى أي حل ناجع، في هذا الصدد.
من بين الداعمين الآخرين لإزالة ثاني أكسيد الكربون هناك جيرمي جرانثام ومجموعة من المؤسسات الأمريكية، بما في ذلك مؤسسة هيوليت-باكارد.
هذا الجمعيات الخيرية تنجذب إلى إزالة ثاني أكسيد الكربون لأسباب مختلفة. يقول إلكا هيرلين، وهو ملياردير فنلندي يُدير شركة كارجوتيك للخدمات اللوجستية للحاويات: "التمثيل الضوئي هو الطريقة الأكثر فعالية لخفض الكربون".
جدير بالذكر، أن الرجل قد عمد إلى تمويل برنامج لاحتجاز الكربون أخيرا، بهدف يدرس كيف تؤثر أساليب الزراعة في محتوى الكربون في التربة، مع الإشارة إلى أن كثيرا من أبحاثه تجري في مزرعته التجريبية الخاصة.
كما أن هناك محسنين آخرين يتخذون نظرة قاتمة حول قدرة البشرية على خفض انبعاثات الكربون.
يقول نيومان، وهو داعم مشروع النبتة المثالية إن: "معظم الناس يقولون إن حل المشكلة يكمن في دفع البشرية إلى خفض انبعاثاتها بنسبة 50 في المائة، في الوقت الذي سيتوسع فيه عدد سكان العالم.. وترتفع فيه الدخول".
"من الناحية العملية، أعتقد أن هذا من غير المرجح فعلا أن يحدث. هذا لا يعني أنه لا ينبغي علينا الانتقال إلى بيئة منخفضة الكربون. السبب في ذلك ببساطة، هو أننا لا نستطيع الانتقال إلى بيئة منخفضة الكربون بالسرعة الكافية" على حد ما أضاف.

شركات الطاقة في الميدان
بالنسبة لشركات الوقود الأحفوري، فإن العثور على إنجاز كبير في مبادرات إزالة الكربون سيجعل من الأسهل عليها كثيرا، الاستمرار بنماذج أعمالها الحالية وخفض الانبعاثات في الوقت نفسه.
لقد استثمرت مجموعة شيفرون أخيرا في شركة هندسة الكربون تلك، وهي واحدة من الشركات الناشئة التي تعمل على اقتناص الكربون مباشرة من الهواء.
يقول نيومان إنه عندما يذكر احتجاز الكربون في التربة لشركات الطاقة، عادة ما تكون الاستجابة هي: "كيف يمكننا المساعدة؟!".
الدعم من صناعة الوقود الأحفوري يغذي الشكوك من بعض نشطاء البيئة.
إن تقنيات الانبعاثات السلبية هي "مقامرة تنطوي على أمور عالية على المحك"، كما كتب أندرسون وبيترز في مقالتهما المنشورة في مجلة "العلوم": "إذا اعتمدنا على هذه الطرق ولم يتم نشرها أو لم تنجح في إزالة ثاني أكسيد الكربون.. فإن المجتمع سيعلق في مسار يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة". ويصفون الانبعاثات السلبية بأنها "خطر أخلاقي بالدرجة الأولى".
مع ذلك، عندما اتصلتُ ببيترز لإجراء مقابلة، بعد أكثر من عامين من نشر المقالة المذكورة، اعترف بأنه يرى الآن دورا لإزالة الكربون في ضبط المعادلة، إن لم يكن قلبها رأسا على عقب.
ويوضح أنه إذا تمكن العالم على الإطلاق من جعل الانبعاثات العالمية عند مستوى "الصفر الصافي" – أي المستوى الذي سيوقف ظاهرة الاحتباس الحراري – لا بد أن يحدث شكل معين من أشكال الانبعاثات السلبية للتعويض عن جميع العمليات الصناعية (مثل الأسمنت والصُلب)، التي لن تكون أبدا خالية من الكربون.
ويُضيف أن: "الانبعاثات السلبية هي شيء سنكون بحاجة إليه، لكننا لا نريد الاعتماد عليه، أو الإفراط في الاعتماد عليه".
بالعودة إلى معهد سولك، حيث تصل أشعة الشمس في كاليفورنيا عبر الفناء المركزي، وحيث تحلق طائرة شراعية في بعض الأحيان على نسيم المحيط، تركز مجموعة سولك على بدء الاختبارات الميدانية، والعثور على طريقة لإدخال سمات النبتة المثالية في أكبر عدد ممكن من النباتات.

استهداف 9 محاصيل رئيسة
يقول الأستاذ المشارك فولفجانج بوش، وهو أحد قادة المشروع البارزين، الذي يدرس أنظمة الجذور العميقة: "نحن جميعا متفقون في المجموعة على أن الوقت مهم جدا، لذلك سنبدأ بشكل أساسي على نطاق ضخم، والعمل بالتوازي على تسع نباتات محاصيل مختلفة. لقد أدركنا من الحسابات التي أجريناها أن الطريقة لتحقيق التأثير الأكبر للنبتة المثالية هي التركيز على نباتات المحاصيل، للاستفادة من هذا المسعى الزراعي العالمي الضخم".
هذه العملية تشتمل على فول الصويا، والذرة، والقمح، والقطن، والأرز، وبذور اللفت وغيرها من المحاصيل غير الغذائية التي تساعد في الرفع من صحة التربة. يشرح بوش: "علينا التركيز على المحاصيل ذات المساحات الزراعية الأعلى".
في حين أن إدخال المحصول المصمم خصيصا على نطاق واسع يُمكن أن تكون له بالتأكيد عواقب غير مقصودة أو يكون مثيرا للجدل – لنشاهد الجدالات المريرة حول الذرة المعدلة جينيا – إلا أن فريق معهد سولك يعتقد أنه يستحق المحاولة.
وهم يُشيرون إلى أنهم لا يستخدمون تقنيات التعديل الجيني (التي تُدخل مواد جينية أجنبية بعيدة عن التركيب المحصولي الأصلي للمواد)؛ بدلا من ذلك، هم يتوصلون إلى معرفة الاختلافات الجينية الطبيعية داخل النباتات.

تقنية كريسبر لتعديل الجينات
لقد توصل مختبر بوش إلى جين يستطيع جعل جذور نبات الأرابيدوبسيس تنمو بشكل أعمق.
ويقول: "لقد تم اختبار ذلك من خلال التطور على نطاق واسع – هذا يجعلنا نأمل أيضا أن هناك، في كثير من الأنواع الحية المختلفة، مثل هذه الأشكال المتنوعة التي يُمكن أن تفعل هذا".
بعد ذلك، يمكن تشغيل سمات النبتة المثالية التي تدرس الآن باستخدام تقنيات التربية التقليدية، أو باستخدام تكنولوجيا تعديل الجينات المعروفة بـ"كريسبر" Crispr.
"إذا فعلنا ذلك من خلال التربية التقليدية، يمكن نشر ذلك بسرعة أكبر مما لو تم استخدام الهندسة الجينية، لأن الجانب التنظيمي قد يستغرق وقتا أطول" على حد قول بوش.
قبل بضعة أشهر، حكمت إحدى المحاكم الأوروبية أنه ينبغي تنظيم تقنية كريسبر بالطريقة نفسها التي يتم بها تنظيم المنتجات المعدلة جينيا، إلا أنه لم يتم إصدار حكم مماثل في الولايات المتحدة.
بغض النظر عن الطريقة التي يتم إنتاجها فيها، يجب زرع النبتة المثالية على نطاق كبير جدا – عبر ملايين الفدادين – لتحقق التأثير المقصود.
إذا كان نصف إجمالي المساحة الزراعية لكل المحاصيل الرئيسة الستة ستكون له سمات النبتة المثالية، فقد يؤدي هذا إلى احتجاز نحو خمس انبعاثات ثاني أكسيد الكربون السنوية التي يتسبب في انبعاثها الإنسان، وذلك بحسب تقديرات بوش.
"تأثير هذا الحل لا يأتي إلا من خلال كمية النباتات التي تزرع في الأنظمة الزراعية، ففي حين أننا جميعا من الناحية الفنية مقتنعون جدا بأن هذا هو حل عظيم لإحداث تأثير كبير، إلا أن الأمر بالطبع لا يرجع لنا نحن فحسب".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES