أخبار اقتصادية- عالمية

مسؤول أوروبي: منظمة التجارة العالمية تمر بأزمة وجود

"إذا لم تضع الولايات المتحدة في نهاية العام حدا لعرقلة نظام التحكيم في منظمة التجارة العالمية، فسيفقد هذا الكيان التجاري الضخم أهميته"، بهذه العبارة، يفكك البلجيكي، مارك فانهوكيلن، سفير الاتحاد الأوروبي لدى "منظمة التجارة"، طبيعة الرهانات المتعلقة بمستقبل الكيان، والممارسات الاقتصادية والتجارية للعملاق الصيني، والعلاقات عبر الأطلسي، والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين.
وقال ممثل الاتحاد الأوروبي لدى منظمة التجارة في محاضرة له في نادي الصحافة السويسري، "لا آمل ولا أؤمن بأن 2019 ستكون سنة قاتلة لمنظمة التجارة العالمية في حالة تعطل نظامها القضائي، لكنها ستكون بالتأكيد سنة حاسمة. قد تكون سنة تتشوه فيها سمعة المنظمة وتفقد بعض مصداقيتها".
وأضاف، "الإصلاحات داخل المنظمة أصبحت لا غنى عنها. لقد أعطت قمة مجموعة العشرين الأخيرة في بوينس آيرس في نهاية 2018 زخما سياسيا في هذا الاتجاه. علينا أن نعمل في هذا الطريق الآن، لأن الموعد النهائي الأول الذي حددته مجموعة العشرين يصل في حزيران (يونيو) المقبل".
وقال: لا يمكننا أن نتكلم عن "الموت"، لأن جميع الدول الأعضاء مقتنعة أن المنظمة، بعيدة عن الكمال، لكنها مع ذلك حيوية. حتى الولايات المتحدة، بما في ذلك روبرت لايتهايزر، الممثل التجاري الأمريكي، قال إنه إذا لم تكن منظمة التجارة العالمية موجودة، فلا بد من اختراعها.
وتابع "نتذكر أن، باسكال لامي، المفوض التجاري الأوروبي السابق قبل أن يتم انتخابه مديرا لمنظمة التجارة العالمية، تحدث عن منظمة قديمة، هذا التشخيص الذي طرحه قبل 15 عاما لا يزال صالحا، مع الأسف يبدو أنه لم يتغير شيء".
وأكد أنها منظمة لديها قدر كبير من الصعوبة في تحديث واعتماد قواعد تجارية جديدة لمواضيع جديدة، مرجعا ذلك إلى أن عدد الأعضاء قد ازداد، وعلائق القوة التجارية بين الأعضاء قد تطورت.
وأوضح أنه في الوقت نفسه، يرفض عديد من الأعضاء التكيف مع البيئة الجديدة، وبعد 20 عاما من الوجود، تشهد "منظمة التجارة" في الواقع "أزمة وجود".
ولخص، فانهوكيلن، جوهر النقد الذي يوجهه الاتحاد الأوروبي لـ"منظمة التجارة" بـ: أولا، أنها تجد صعوبة في التصدي لمواضيع جديدة تعكس حقائق التجارة العالمية الراهنة، منها التجارة الإلكترونية على سبيل المثال. وثانيا، أنها غير مهيأة للعمل ضد الأعضاء الذين لا يمتثلون لقواعد معينة، مثلا ما يتعلق بالإعانات التي تقدمها الحكومات لقطاعاتها المختلفة خاصة الزراعية والصناعية.
وأخيرا، فإنه مع 164 عضوا، لا تزال "منظمة التجارة" تكافح بصعوبة من أجل التوصل إلى حلول توفيقية للمضي قدما في المواضيع "القديمة" مثل الزراعة أو مصائد الأسماك.
وردا على سؤال جاء من الحضور عن ماهية الحلول التي يوصي بها السفير، قال "ينبغي على منظمة التجارة أن تدمج مواضيع جديدة في أنشطتها مثل التجارة الإلكترونية والتجارة المتصلة بالتنمية المستدامة. وينبغي أيضا أن تكون قادرة على تحديث قواعدها بشأن الإعانات العامة، ومؤسسات الدولة التي تقوم بنقل التقنية".
وأضاف: إذا أخفقنا في التقدم كمجموعة من 164 دولة، وهذا هو الحال بصورة متزايدة، فإن أحد الحلول يتمثل في التفاوض بشأن إبرام اتفاقيات متعددة بين الدول، أي بين البلدان المستعدة للمضي قدما دون انتظار كل الـ 164 دولة لتلتحق بها، وهنا سنكون أمام منظمة تمضي بسرعتين، وهذا ليس مناسبا ولا مثاليا، لكن أفضل من البقاء في المكان ذاته.
وتابع "هناك من يقول، لماذا ندخل في مواضيع جديدة، في حين أن المواضيع القديمة في جولة الدوحة لا تزال غير معالجة. وجوابي: ينبغي أن نحاول بالفعل التفاوض على اتفاقيات بشأن القضايا الرئيسة، ولا سيما الزراعة ومصائد الأسماك. صحيح أن هناك عقبات كبيرة أمام المضي قدما، لكننا، حددنا نهاية 2019 للتوصل إلى اتفاق لمصائد الأسماك، ينبغي أن نحقق ذلك".
وفيما يتعلق بالمواضيع الجديدة، نظرا لأن مضي كامل الأعضاء في اتفاق واحد لم يسفر عن أي نتائج، قال "فلنحاول أن نحقق ذلك بين الأطراف المستعدة، هذا إذا لم نكن نريد أن نحكم على المنظمة بالشلل، أولئك الذين لا يركبون في القطار يمكنهم أن ينضموا إلى الآخرين عندما يشعرون أنهم أصبحوا على استعداد لذلك".
وعن أهم المشكلات المتعلقة بإعاقة الولايات المتحدة تعيين قضاة جدد لهيئة الاستئناف لفض المنازعات في "منظمة التجارة"، أوضح ممثل الاتحاد الأوروبي أنه إذا لم يتم تعيين قضاة جدد بحلول كانون الأول (ديسمبر) المقبل، فستكون إجراءات التقاضي في شلل وعدم الأهلية، حيث إنه بدون الجهاز القضائي، سيتم الطعن في سير عمل منظمة التجارة العالمية بأكمله.
والواقع الراهن يؤكد أنه منذ أكثر من 18 شهرا، والولايات المتحدة ترفض النظر في تعيين قضاة جدد لهيئة تسوية المنازعات بديلا عن القضاة الذين يغادرون الهيئة عقب انتهاء مدة ولايتهم، كما ترفض تمديد ولاية قاض فترة ثانية. تقول الولايات المتحدة، إن أعضاء الهيئة الحاليين قد تجاوزوا ولايتهم من خلال اتخاذ "مواقف ناشطة تبتعد أحيانا عن الموضوعية"، وكذلك الوصول إلى "نتائج غير ضرورية في التحكيم" وإصدار "آراء استشارية".
بهذه الإعاقة الأمريكية تقلص عدد أعضاء هيئة الاستئناف السبعة إلى ثلاثة أعضاء فقط، وهو الحد الأدنى المطلوب للفصل في النزاعات التجارية والاستئناف في "منظمة التجارة". وعندما ينتهي أمد ولاية اثنين من الثلاثة في كانون الأول (ديسمبر) المقبل، لن تكون هناك، من الناحية القانونية، هيئة قائمة للفصل في المنازعات بين أعضاء المنظمة.
وقال، فانهاوكلين، "نحن الآن نمضي في عملية تؤدي إلى شلل سمة فريدة من نوعها لهذه المنظمة ـ وهي تسوية المنازعات، نحن بحاجة إلى أن نجد طريقا للعودة إلى سبعة أعضاء في هيئة تسوية المنازعات، إذا استمرت الولايات المتحدة صامدة في موقفها إلى ما بعد العاشر من كانون الأول (ديسمبر) 2019، فستشل هيئة تسوية المنازعات، لأنه لن يعد لديها ما يكفي من القضاة اللازمين للتوقيع على أحكامها".
وأضاف: ما نحتاج إليه هو الحفاظ على استقلالية أعضاء الهيئة، من وجهة نظرنا، أن الأعضاء هم عرضة للوقوع تحت التأثير عند إعادة تعيينهم.
وردا على سؤال عما إذا كانت الصين والولايات المتحدة "تحتجز منظمة التجارة رهينة"؟، قال سفير الاتحاد الأوروبي: لن أستخدم هذا المصطلح، لكن مجموعة العشرين قالت إنه يتعين تحسين أداء المنظمة، لذلك ينبغي على جميع البلدان الرئيسة أن تكثف جهودها.
وأكد أنه مع ذلك، فمن الصحيح القول، إن الولايات المتحدة، برفضها تعيين قضاة في هيئة تسوية المنازعات، التي تجعل منظمة التجارة العالمية فريدة من نوعها بين المؤسسات الدولية، إنما هي تعرقل المنظمة.
ونفى وجود تكتل ضد الصين داخل "منظمة التجارة" بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان.
وقال السفير الأوروبي "لا يوجد تحالف منظم ضد الصين مثلما أسمع بين الأوساط الدبلوماسية داخل المنظمة. مع ذلك، فإن سياسات بكين التجارية والصناعية تثير قلقا كبيرا. على هذا الأساس، نريد أن نقدم قواعد جديدة تضع الجميع على المستوى نفسه. نحن الثلاثة نعمل معا، لكن ينبغي للدول الأخرى أن تنضم إلينا وأن توسع نطاق المناقشة في المستقبل".
وفي حديثه عن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين وموقف أوروبا منها، أشار إلى أن التوترات بين اقتصادين رئيسين تؤثر تأثيرا مباشرا في التجارة العالمية، وهذا يضر بالنمو العالمي، كما أنه يحقن قدرا كبيرا من عدم اليقين، ويكبح جماح المستهلكين والمستثمرين في قراراتهم، يحدث هذا في وقت يفقد فيه الاقتصاد العالمي بالفعل كثيرا من نشاطه، مبينا أن ما يسمى الحرب التجارية مقلق لجميع العالم.
وردا على سؤال عما إذا كان يعتقد أن انضمام الصين إلى منظمة التجارة كان خطأ، مثلما أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، قال، فانهاوكلين: في 2001 كنا مهتمين بتخفيض التعريفات الجمركية ولم نفرض جميع قواعد اقتصاد السوق، ثم استلهمنا من التفكير بأن الصين عند دخولها إلى منظمة التجارة، ستتطور أكثر في اتجاه اقتصاد السوق، لكن هذه الفرضية التي توافقنا عليها لم تتحقق إلا بطريقة محدودة نوعا ما.
ولفت السفير الأوروبي إلى أن الصين خدعت الدول الأعضاء إلى حد ما وقت انضمامها في 2001، أو لنقل إنها كانت تعتقد أنها ستتطور أكثر نحو اقتصاد السوق.
وعن العلاقة عبر الأطلسي، أقر، فانهاوكلين، أن الاتحاد الأوروبي قد فوجئ بفرض إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، رسوما إضافية على الفولاذ الأوروبي.
وقال "نعم فوجئنا خاصة أن الولايات المتحدة تحاول تبرير هذه التعريفات باسم الأمن القومي. من الصعب للغاية أن نفهم أن أعضاء (الناتو) يمكن أن يفرضوا مشكلات أمنية على الولايات المتحدة. نحن نرى أن هذا تدبير حمائي أولا وأخيرا".
وأضاف "في واقع هذه الحالة، لا يمكننا أن نفهم أيضا أن المنتجين الأوروبيين يمكن أن يطرحوا قضية أمنية في التجارة على الأمريكيين. قلنا في بروكسل: إذا استمر الأمريكيون في التقدم بهذا الاتجاه، فلن نقف مكتوفي الأيدي".
رغم ذلك، استبعد الممثل التجاري الأوروبي أن تواجه العلاقات التاريخية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تحديات من قبل إدارة ترمب، حيث إن البيانات الاقتصادية والسياسية الأساسية لم تتغير.
وأكد أنه يوجد ترابط كبير بين أوروبا والولايات المتحدة، إذ إن الهياكل الاقتصادية متشابهة وتتبع قواعد السوق، والعلاقة قوية وحيوية.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار اقتصادية- عالمية