أخبار

منصات التواصل .. مكافحة التضليل الإعلامي بالتضليل

تقع جل المناقشات حول القضايا العامة على مواقع شبكات التواصل الاجتماعي، ويحصل الناس على الأخبار من خلال منصات رقمية، ويقدم السياسيون سياساتهم عبر وسائل الإعلام هذه. ويعد الإنترنت الفضاء العام الجديد.
في الفضاء العام القديم، كان الصحافيون والمحررون بمنزلة حراس ويعملون كحكام. وكان مهنيو الأخبار يضعون جدول الأعمال ويقدمون للناس معلومات موثوقة ووجهات نظر مختلفة. "لقد وثقنا بهم بسبب احتراف ونزاهة عملياتهم التحريرية". بحسب مادلين دي كوك بونينج، أستاذة السياسة الرقمية والاقتصاد.
في الفضاء العام الجديد، أصبح هذا النموذج من الصحافة - ودور الصحافة في الحفاظ على الديمقراطية - متجاوزا. لم تعد وسائل الإعلام التقليدية تلعب دورا مهيمنا في تدقيق المعلومات والسيطرة عليها، وبالتالي، يمكن أن تصل الأخبار المزيفة إلى أماكن متعددة فورا.
وينطبق الشيء نفسه على التدابير العامة والخاصة التي تفرض الرقابة على التعبير. ويتمثل التحدي في إعادة تعريف معايير الخطاب المدني في المجال العام الجديد دون تقييد التعددية. توضح الأمثلة الحديثة خطر التخلص من الصالح والطالح معا.
على الرغم من عناوين الأخبار المشؤومة، يبدو تأثير الأخبار المزيفة على صنع القرارات السياسية محدودا للغاية. وفقا لمعهد رويترز لدراسة الصحافة في جامعة أكسفورد، فإن الاستماع إلى الأخبار الكاذبة يقتصر أساسا على المجموعات التي تسعى إلى توحيد وجهة نظرهم وأحكامهم المسبقة. ومع ذلك، هذا لا يجعل الأخبار الكاذبة أقل خطورة. فهي تغذي الاستقطاب ومن المفارقات أن مناقشتها يمكن أن تزيد من خطورتها.
علاوة على ذلك، تقوض الأخبار المزيفة الثقة في جميع أشكال الإعلام وتعزز وجهة النظر القائلة بأنه من المستحيل التمييز بين الحقيقة والخيال. عندما لا يعرف الناس ما يمكن أن يؤمنوا به، تضعف قدرة الصحافيين على وقف انتهاكات الأقوياء. سوف يزداد هذا الاتجاه سوءا مع انتشار المعلومات الخاطئة - الصور ومقاطع الفيديو المزيفة التي تبدو حقيقية.
يجب معالجة أوجه القصور في المجال الرقمي العام. يزعم البعض أن الحل هو منع المواقع الإلكترونية غير الموثوقة أو إعادة تعيين نتائج البحث. على سبيل المثال، قام موقع فيسبوك بفرض رقابة على المشاركات المتكررة وأنشأ "منطقة حرب" انتخابية لمكافحة التضليل الإعلامي. اتخذت مواقع عالمية أخرى، مثل "جوجل" و"تويتر"، تدابير مماثلة، كما أجبرت المواقع الثلاثة على السماح للسلطات بالوصول إلى البيانات الخاصة بالمستخدمين الذين ينشرون أخبارا مزيفة أو يصدرون بيانات تشهيرية. لكننا نعتقد أن هذه الخطوات مضللة للغاية، ولو إن كانت تبدو منطقية.
إن جوهر أي ديمقراطية قوية هو الإجماع السياسي والتحكيم، الذي يعتمد على قدرة الناس على المناقشة والتناقض. لا يحق للمؤسسات الخاصة أو العامة فرض الرقابة على هذه العملية. بدلا من ذلك، يجب أن نعمل لضمان حصول المواطنين على مجموعة واسعة من الآراء والأفكار وفهم ما يقرؤونه أو يرونه أو يسمعونه. تشمل حرية التعبير الحق في تلقي المعلومات وتبادلها دون تدخل، بما في ذلك القيم الأساسية لحرية الإعلام والتعددية الإعلامية المنصوص عليها في ميثاق الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية. تُظهر الدراسات أن معظم الناس يفضلون مصادر تعددية الأخبار الموثوقة. وتتمثل مهمة السياسيين في تمكينهم من تحقيق هذا التفضيل.
في آذار (مارس) 2018، قدمت مجموعة رفيعة المستوى معنية بالأخبار المزيفة والمعلومات المضللة عبر الإنترنت، والتي ترأسها دي كوك بونينج، تقريرا للمفوضية الأوروبية، حيث طرحت خيارات ملموسة للتعامل مع الأخبار المزيفة بشكل أفضل، كما وفرت خطة عمل المفوضية الأوروبية الأخيرة نقطة انطلاق جيدة. لكن لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به.
لا توجد حلول فعالة لمكافحة المعلومات الخاطئة. يمكن لأساليب أصحاب المصلحة المتعددين التي توزع المسؤولية عبر النظام الاٍيكولوجي للأنباء وتحترم الحقوق الأساسية المرتبطة بها، توفير حماية كافية ضد المعلومات المضللة.
على سبيل المثال، يجب على وسائل الإعلام المهنية بذل مزيد من الجهود لضمان صحة تغطيتها للأحداث. يمكن لتكنولوجيا فحص الحقائق أن تساعد في حل هذه المشكلة، طالما بقيت خالية من التأثيرات السياسية والاقتصادية. يجب أن تظل مواقع مثل "جوجل" و"فيسبوك" و"تويتر" بعيدة عن نشاط التحقق من المعلومات.
بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى في تحمل المسؤولية عن طريق الالتزام بمدونة قواعد الممارسات استنادا إلى المبادئ الأساسية العشرة الواردة في التقرير رفيع المستوى. ومن شأن "شركات التكنولوجيا الكبرى" أن تسهم بطرق أخرى، من خلال توفير واجهات مستندة إلى العميل لتنظيم الأخبار الموثوقة، وضمان تنوع الجداول الزمنية لشبكات التواصل الاجتماعي، وإعطاء الأولوية لإعادة نشر المعلومات الصحيحة. كما يمكن لمنصات التواصل الاجتماعي تحسين شفافية استخدام خوارزميات البيانات والشفرات. من الناحية المثالية، ينبغي لهذه الخوارزميات منح المستهلكين المزيد من التحكم في تفضيلات التحرير بما في ذلك تطبيقات التحرير والتحقق من المعلومات التي طورتها منظمات إعلامية موثوقة.
ينبغي أن تحدد المنصات أيضا مصادر الأخبار بشكل واضح، خاصة المحتوى السياسي أو التجاري المدفوع. ويمكن تنفيذ العديد من هذه التدابير الفورية قبل انتخابات البرلمان الأوروبي في أيار(مايو) 2019.
كما أننا بحاجة إلى تعاون دولي جديد وقواعد أفضل للولاية القضائية لضمان حماية القوانين واللوائح لضحايا الأخبار المزيفة والهجومية دون تقييد حرية التعبير أو تقويض حقوق الناشطين. وعلى وجه الخصوص، لا ينبغي تسوية هذه الصراعات قانونيا في الحالات التي يمكن فيها لطرف واحد فقط الوصول إلى العدالة بشكل فعال.
وأخيرا، على الشركات الإعلامية التعاون مع المدارس ومجموعات المجتمع المدني والمؤسسات الإخبارية لتعزيز محو الأمية في وسائل الإعلام العامة. وفقا للبيانات، لا يزال القراء في بعض المجالات يواجهون صعوبة في التمييز بين الأخبار المزيفة والحقيقية.
إن الجهود المبذولة للقضاء على المعلومات المزيفة في الفضاء العام الجديد ستؤدي بالتأكيد إلى نتائج عكسية. يمكن للقراء فقط تجنب الأخبار المزيفة. لا يمكننا السماح للشركات الخاصة أو الحكومات بأن تقرر ما يجب أن يعرفه الناس. إن تاريخ الديمقراطية واضح في هذه النقطة، إن التعددية، وليس الرقابة الخاصة أو العامة، هي أفضل ضامن للحقيقة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من أخبار