تبديد المخاوف من التكنولوجيا والعولمة «2»

|


على الرغم من أن سياسات إعادة توزيع الدخل خففت الضربات التي أصابت الأسر الأقل دخلا من جراء الركود الكبير، فإنها أسهمت أيضا في تراكم ديون ضخمة نتيجة التكاليف المباشرة وغير المباشرة للأزمة. ولخفض هذه التكاليف، لجأ كثير من البلدان في وقت لاحق إلى إجراء تخفيضات في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، ما أسفر عن ظهور شكاوى اجتماعية، حيث شعرت المجتمعات بتعرضها للإهمال كما شعر الأفراد بفقدان الكرامة وانعدام القدرة على توجيه مصائرهم. ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، تذهب دراسة (Fetzer 2018) إلى أن التخفيضات التي طالت الرعاية الاجتماعية وقع تأثيرها الأكبر على المناطق التي أعطت أصواتها في نهاية المطاف لحزب استقلال المملكة المتحدة الشعبوي وأيدت الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. وأدى اقتران العولمة بالأزمة المالية لعام 2008، وإجراءات التقشف المترتبة عليها إلى صدمة حادة واجهها كثير من الناس في ظل شبكة أمان هزيلة للغاية كان من المفترض أن توفر الدعم لهم. ويشكل الخوف من المستقبل مصدرا آخر للاستياء العام، ولهذا الخوف جذور عميقة في التوقعات التي تفيد بأن الأتمتة ستؤدي إلى إلغاء أنواع كثيرة من العمل الروتيني المتكرر مع إيجاد طلب أكبر على العمالة ذات المهارات الفائقة. ومما فاقم الشعور بالقلق زيادة أنواع العمل المؤقت بأجور منخفضة ومزايا ضئيلة أو معدومة. وبينما يجد بعض الناس ميزات في ترتيبات العمل هذه وما تحققه من مرونة أكبر، فإن البعض الآخر يجدها مصدرا كبيرا لانعدام الأمن الاقتصادي. فالعمل المؤقت يضعف كلا من الصحة البدنية والذهنية، حيث يفقد الأفراد الشعور بقدرتهم على اتخاذ قراراتهم المصيرية بمحض إرادتهم.
وعلاوة على ذلك، هناك خطر يتمثل في إمكانية أن تؤدي الأتمتة إلى انقسام أسواق العمل في المستقبل لمصلحة الحاصلين على مستوى أعلى من التعليم. ويتوقع المكتب الأمريكي لإحصاءات العمل أن تنشأ بين عامي 2014 و2024 ست وظائف جديدة بأجور منخفضة لمقدمي الخدمات المساعدة في مجال الرعاية الشخصية والصحة المنزلية مقابل كل وظيفة مجزية في مجال تطوير البرمجيات.
وتبرز ردة الفعل العنيفة هذه ضرورة وجود عقد اجتماعي جديد يتلاءم مع معطيات الواقع الاقتصادي المتغيرة ويكفل التعامل بصورة أفضل مع الانعكاسات الاجتماعية للعولمة. ويشمل هذا العقد الاجتماعي سداد الضرائب مقابل الاستفادة من السلع العامة، وكيفية رعاية المجتمع لكبار السن والشباب وأصحاب الإعاقات، ومن تعرضوا لظروف عصيبة. ولأن العقد الاجتماعي يسترشد بالقيم في الأساس، فإنه يتيح حلولا تختلف باختلاف المجتمعات.
ومع ذلك، سيتعين على كل مجتمع أن يفكر في تحديد المستفيدين من شبكة الأمان الاجتماعي، وهي الآلية التي نقوم من خلالها بتجميع المخاطر وموازنة جانب من تأثير الحظ على فرص الحياة. وسيكون على كل مجتمع أيضا تحديد خياراته بشأن تقسيم المسؤوليات بين الأسر والقطاع التطوعي والسوق والدولة. وترجع أهمية ذلك إلى كون دولة الرعاية هي أيضا آلية إرساء المساواة بين جميع المواطنين حتى يتمكنوا من المشاركة الكاملة في الحياة العامة.
وهناك أسئلة جوهرية ينبغي الإجابة عنها، وهي أسئلة زادت تعقيدا في المجتمعات الأقل تجانسا والأكثر عولمة. فمن الذين نشعر تجاههم بالتزامات الرعاية والمشاركة في المخاطر؟ وما المسؤوليات المصاحبة لهذه الالتزامات؟ وإلى أي مدى تمتد الالتزامات إلى أبعد من نطاق الأسر لتشمل المجتمعات المحلية أو المناطق الأخرى؟ وماذا عن الفقراء في أجزاء أخرى من العالم؟ وهل نحن ملزمون بترك نصيب من رأس المال المادي والاجتماعي والطبيعي للأجيال القادمة يساوي، على الأقل، ما تركه لنا السابقون؟
وفي إطار العقد الاجتماعي الجديد، قد نحتاج إلى إعادة إدخال عنصر المعاملة بالمثل والتأمين في تقديم الرعاية الاجتماعية. فهناك تصور خطير مفاده أن هناك أناسا يعملون بجد وآخرين يستغلون ترتيبات الرعاية إلا أن الواقع يقول، مثلما أوضح جون هيلز الأستاذ في كلية لندن للاقتصاد فيما يخص المملكة المتحدة، إن الأغلبية العظمى من الناس يحصلون طوال حياتهم -في شكل تعليم ورعاية صحية ومعاشات تقاعد- على قدر يكاد يتساوى مع ما ينفقون من أموال -على هيئة ضرائب أثناء فترة عملهم. والأغنياء يدفعون ضرائب أكثر لكنهم غالبا ما يعيشون فترة أطول، ومن ثم يستفيدون أكثر من معاشات التقاعد والرعاية الصحية عند تقدمهم في العمر. ولعلنا بحاجة إلى إعادة النظر في الميزات السياسية والاجتماعية التي تتيحها المزايا المعممة، وهي وسيلة أفضل للحصول على التأييد السياسي وضمان الجودة.
كيف يمكن للعقد الاجتماعي الجديد أن يعالج مشكلة عدم المساواة؟ تُعلَّق أهمية كبرى في المدى المتوسط على السياسات التي تسمى سياسات ما قبل التوزيع -وهي المتعلقة بالتعليم، والحركية الاجتماعية، واستثمارات البنية التحتية في المناطق الأفقر، ونشر تحسينات الإنتاجية على أوسع نطاق. فالبلدان ذات الحركية الاجتماعية الأكبر تحقق معدلات نمو أسرع، نظرا لكفاءتها في التوفيق بين الأفراد والوظائف المناسبة لهم، ما يولد مستوى أعلى من الإنتاجية... يتبع.

إنشرها