FINANCIAL TIMES

نبتة مثالية تحمل بشرى ضبط المناخ إلى البشرية

على تلة مطلة على المحيط الهادئ، يقف معهد سولك في وضع مماثل لصرح من الخرسانة؛ يا له من فناء منفتح على البحر، فيما يحيط به صفان من المباني.
هذا الحرم الواقع في ولاية كاليفورنيا، الذي صممه لويس كان في أوائل الستينيات، واحدا من أشهر الأمثلة لفن العمارة الحداثي في العالم.
تبدو تلك العظمة الباذخة بشكل صارخ لذلك المبنى ذي الطموح، الذي يماثل القدر نفسه من الطموح الكامن ضمن البحوث الرائدة التي يتم إجراؤها داخل المعهد.
لقد تم تأسيس المعهد من قبل جوناس سولك، الذي يعد أول مطوّر لنوعية جديدة من اللقاحات الآمنة ضد مرض شلل الأطفال، والذي أراد إنشاء مركز من الطراز العالمي للبحوث البيولوجية.
من خلال برامج التمويل المقدمة التي تمثل حزما هي مزيج من المنح الحكومية والتبرعات الخيرية، يسعى العلماء العاملون هنا منذ فترة طويلة للعمل على إيجاد علاجات لأمراض كثيرة فتاكة، تراوح من السرطان إلى مرض ألزهايمر.
هناك فريق من العلماء يعكف الآن على التصدي لمشكلة أخرى تهدد الحياة: التغير المناخي.
هذا الفريق يستعد للقيام بشيء لم يتم القيام به قط من قبل، وهو إيجاد "النبتة المثالية" - نبتة ستساعد في الحد من ظاهرة الاحترار العالمي.

مع البروفسيرة تشوري
تقول البروفسيرة جوان تشوري: إنه موقع مثير للاهتمام، أليس كذلك؟ بنوع لا يخلو من التهوين، فيما كنا بصدد اتخاذ مقاعدنا للحديث في مكتبها.
تشوري، واحدة من أبرز علماء النبات في العالم، وشخصية رائدة مسؤولة عن مبادرة النبتة المثالية، التي حظيت بمسيرة مهنية طويلة وممتازة في هذا الميدان.
بعد حصول تشوري على درجة الدكتوراه في علم الأحياء الدقيقة، عملت لدى كلية الطب في جامعة هارفارد قبل الانضمام إلى معهد سولك للدراسات البيولوجية، في عام 1988.
في السنوات التي تلت ذلك، تمكنت تشوري من تحقيق اكتشافات مهمة في مجال الاستنبات الاصطناعي للنباتات، بالتركيز على كيفية استجابة النباتات للضوء وعمليات التمثيل الضوئي، بهدف يرمي في نهاية المطاف إلى إنتاج هرمونات للنمو النباتي الأخضر، ما أدى إلى فوزها بجوائز كثيرة مقابل تلك الاختراقات العلمية والإنجازات الصناعية.
من العناصر التي أسهمت في ذلك، أن تشوري لطالما كانت تركز على أن هنالك مشكلة واحدة أخرى تريد إيجاد حل لها: كيفية تصميم نباتات تكون قادرة على تخزين مزيد من ثاني أكسيد الكربون في جذورها.
وتفسر قائلة إنه من خلال زرع تلك النباتات على نطاق واسع، قد تمتص كمية كافية من ثاني أكسيد الكربون من الجو للمساعدة في إبطاء ظاهرة التغير المناخي.
يجري معهد سولك محادثات مع شركات البذور ويستعد لإجراء اختبارات على محاصيل زراعية رئيسة - بما فيها القمح وحبوب الصويا والذرة والقطن - بحيث يمكن في يوم ما إدخال النبتة المثالية للمزارع في مختلف أنحاء العالم، بغض النظر عن الاختلافات في أنواع التربة أو المناخ السائد أو حتى تقلباته.
تقول تشوري، بينما تلتمع الأقراط التي ترتديها على شكل أوراق الشجر: "نحن جميعا متحمسون كثيرا إزاء هذا الأمر، لأنني أعتقد أننا نؤمن حقا أن باستطاعتنا تحقيق ذلك". إنها في الواقع واحدة ضمن خمسة أساتذة جامعيين يعملون على المبادرة في معهد سولك: "وصلت إلى عمر الستين، وأريد تحقيق شيء ما يمكنه فعلا إحداث تأثير مهم. ظاهرة التغير المناخي وصلت إلى حد أصبحنا فيه بأمس الحاجة إلى إيجاد حل لها الآن. يجب علينا إيجاد الحل الآن - ربما يكون قد فات الأوان الآن. لا أعلم" حسبما أضافت، على أن علينا اللحاق به، على الأقل، لفعل ما يمكن فعله، آملين في ألا يكون قد فات الأوان بالفعل.
هذا الشعور بالإلحاح هو دلالة على واقع كئيب مؤرق للعلماء؛ ذلك أن الانبعاثات العالمية من ثاني أكسيد الكربون آخذة في الارتفاع المستمر، على الرغم من عقود من جهود سياسية مبذولة للسيطرة عليها.

الحيلولة دون ارتفاع بدرجتين
ارتفعت درجة الحرارة في العالم بالفعل بمقدار درجة مئوية واحدة، ولمنع ارتفاع درجة الحرارة بمقدار درجتين مئويتين أو أكثر - من المحتمل بعدها أن يتعرض ملايين من الناس لموجات حر وحالات جفاف خطيرة - يقول كثير من العلماء، إنه يجب علينا إضافة استراتيجية جديدة لذلك المزيج المطروح؛ إذ من الواضح أنه لا يكفي لصد مد الخطر الداهم.
إذا لم يستطع العالم خفض انبعاثات الكربون بسرعة تكفي لتجنب التعرض لتغيرات مناخية شديدة، هل يمكن معالجة المشكلة من الطرف الآخر، أي من خلال إزالة كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون من الهواء، وتخزينها لأمد طويل؟
أحد الأشخاص المتحمسين لهذه الفكرة هو هوارد نيومان، الخبير المخضرم في مجال الأسهم الخاصة، وهو أحد أبرز أعضاء مجلس إدارة معهد سولك، ممن قدموا تبرعات سخية كبيرة للمساعدة في إطلاق مشروع النبتة المثالية.
هذا الرأسمالي يعمل منذ 20 عاما في واربورج بينكاس، وهو مؤسس لشركة باين بروك بارتنرز، التي تستثمر على نطاق واسع في شركات الغاز والنفط.
نيومان، يعد بالفعل واحدا من أكبر المراهنين وأبرز الداعمين للمشروع، ماديا ومعنويا.
في محادثة عبر الهاتف، أخبرني من نيويورك قائلا: "أنا أعمل في قطاع الطاقة، وكنت أبحث في ظاهرة التغير المناخي. وقد لاحظت أن الجميع كان ينظر إليها بالطريقة نفسها، وأنك إذا نظرت إلى الأمر بطريقة مختلفة، ستجد أن هناك حلا يطرح نفسه.
إن عملية الاحتجاز الحيوي هي أمر حقيقي، بمعنى أنها عملية قابلة للتطبيق والتحقق من نتائجها، بل والتثبت من فعاليتها، إلا أن المؤسف في الأمر هو أن الناس تتجاهلها. هذه تكنولوجيا يحتاج إليها العالم. إلا أنها جزء من مشكلة المناخ التي لم يعالجها أحد من قبل، في حقيقة الأمر".

النبتة المثالية ليست وحدها
مفهوم النبتة المثالية ليس إلا واحدا من عدد من مشاريع جمة، ترمي كلها إلى التعامل مع ثاني أكسيد الكربون، سواء بالحد منه أو إزالته أو جمعه من أجل التخرين، وهي عملية يجري تنفيذها في كل أنحاء العالم، على قدم وساق، وإن كانت بمعدلات متفاوتة القوة والتسارع.
تشمل تلك العمليات توظيف آلات ضخمة مستخدمة لسحب ثاني أكسيد الكربون من الهواء، وصولا إلى محطات توليد الكهرباء التي تحقن الكربون تحت سطح الأرض. يعتقد بعض أنصار البيئة أن تلك التكنولوجيات لن تعمل أبدا كما هو مأمول، وأن التركيز عليها يوجد وهما خطيرا مفاده أن المتسببين في التلوث، يستطيعون مواصلة تلويث البيئة.
قال كيفن أندرسون وجلين بيترز في مقال نشر في عام 2016 في مجلة العلوم: "الاعتماد على مفاهيم الانبعاثات السلبية يثَبِّت إدمان البشرية على الكربون. هنالك خطر حقيقي في أن هذه المفاهيم لن تتمكن أبدا من أن تعطي النتائج، على مستوى الأشياء التي تعِد بها، أو مستوى التحديات الماثلة بالفعل، أمام البشرية".
كما أن من الصعب أيضا التنبؤ بالآثار المترتبة على تلك المشاريع المتطرفة التي تسعى لتغيير الغلاف الجوي، والتي يمكن أن تؤثر في النظم الإيكولوجية الحساسة لكوكب الأرض.

رقم قياسي للانبعاثات العام الماضي
إن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية سجلت رقما عاليا قياسيا العام الماضي، حتى إن حجم التحدي الكبير قد دفع عددا متزايدا من العلماء أخيرا، إلى الاعتقاد بأن إزالة ثاني أكسيد الكربون وليس مجرد الحد منه، ستكون أمرا ضروريا للحفاظ على قابلية بقاء الكوكب صالحا للحياة.
في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، توصلت دراسة مهمة أجراها الفريق الحكومي الدولي المعني بظاهرة التغير المناخي، إلى أن إزالة ثاني أكسيد الكربون ستكون ضرورية للحفاظ على الاحترار بدرجة أقل من 1.5 درجة مئوية، حتى لو بدأت البلدان على الفور بإجراء خفض جذري في الانبعاثات.
تخبرني تشوري قائلة: "أشعر وكأن لدي التزام أن أحاول على الأقل القيام بشيء ما".
وفيما هي تتناول بأصابعها كوبا من على مكتبها، تظهر عليه نبتة تشبه الخردل، تسمى أرابيدوبسيس، تمثل العمود الفقري في معظم الأبحاث التي أجرتها، في هذا الخصوص.
هذه النبتة، التي تتكاثر بسرعة وتشكل الدعامة لمختبرات البحوث الوراثية، تجد ميزتها في أنها تنتج بذورا متطابقة، حتى أنها حققت حتى الآن بعض النتائج المبكرة في مبادرة النبتة المثالية.
في الخارج وخلف حرم معهد سولك الرئيس، وفي بيت زجاجي يقع على التل، هنالك حديقة تجريبية لصفوف طويلة ومتراصة من نبتة أرابيدوبسيس، التي تركت لتنمو تحت أشعة الشمس في كاليفورنيا. لقد بدأت جولة في المكان بصحبة الأستاذة المشاركة جولي لو، التي تدرس تنظيم الجينات وكيفية نقل تلك التقنيات إلى استنبات الأنواع المطورة الخارقة من النبات.

"أرابيدوبسيس" وكشف الجينوم
تقول جولي لو، وهي تضع عددا من بذور الخردل في يدي: "هذه النباتات هي استنساخ وراثي لبعضها بعضا، لذلك فهي تتيح لنا إمكانية تكرار تجاربنا". لقد كانت "أرابيدوبسيس" أول نبتة تم التوصل إلى التسلسل الكامل للجينوم فيها، حيث أُجري جزء من تلك البحوث في معهد سولك.
وفي حين أن فكرة قيام نبتة معدلة جينيا بالاحتفاظ بالكربون تحت الأرض، قد تبدو غريبة، إلا أن الأستاذة لو تقول إن هذا هو تعديل بسيط لما تفعله النباتات أصلا.
وتضيف: "وظيفة النباتات بالكامل هي أن تأخذ ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، وتحول جزئيات الكربون المذكورة إلى سكريات، ومن ثم إلى كتلة حيوية، في نهاية المطاف. إن النباتات في الأساس متكيفة على أن تأخذ ثاني أكسيد الكربون ليكون مصدرا لطعامها. جمال الفكرة هو أن النباتات تفعل هذا في الأصل على نطاق عالمي ضخم، بحيث إننا إذا استطعنا الاستفادة من هذا المصدر أو هذه الحقيقة إلى أقصى حد ممكن، فإننا نستطيع أن نحقق أثرا كبيرا" بل ونراهن على إمكانية قلب المعادلة التي تهدد الحياة على كوكبنا، ممثلة في تغير المناخ بشكل متسارع وتزايد الاحترار.
لتسخير النباتات بحيث تحجز مزيدا من الكربون، فإن الخطوة الأولى هي معرفة كيفية الحفاظ على الكربون ثابتا في التربة.
عادة، ما تعيد النباتات معظم الكربون إلى الغلاف الجوي عندما تتحلل، تاركة وراءها جزءا صغيرا منه في الأرض أو عليها.
يشكل هذا جزءًا من دورة الكربون السنوية، حيث تأخذ النباتات ثاني أكسيد الكربون خلال نمو الربيع، وتعيده إلى الغلاف الجوي عندما تتحلل في الخريف – على نحو يشبه تنفس الأرض.


إطار
الفلين والسوبرين ولحظة "وجدتها"
يوضح البروفيسور جوزيف نويل، الكيميائي الذي يعمل في مشروع النبتة المثالية: لقد بدأنا البحث عن تلك الجزيئات الأكثر مقاومة للتحلل.
ويضيف أن لحظة "وجدتها" الأرشميدية قد دهمته على حين غرة، عندما حلت عليه وهو يمعن التفكير في كومة من السماد، كان يحتفظ بها عندما كان طفلا، مستذكرا أن الفلين الذي كان كامنا فيها، استعصى على التحلل.
لقد "كان هناك جزيء مثير للاهتمام يحدق بنا في الوجه: إنها سوبرين. وهو في الواقع الفلين. سوبرين هو نوع من أنواع البلاستيك الطبيعي المعقد، فهو يحتوي على أشياء تشبه وقود الديزل فيه، ولكنه يحتوي أيضًا على مكونات أخرى.. إنها الطريقة التي ينظم بها النبات التعامل ما كل يدخل إلى الجذر، مثل الأكسجين أو المعادن الأخرى".
الأكثر أهمية من ذلك، هو أن السوبرين لا يتحلل بسهولة في التربة. ذلك أن بعض النباتات، مثل أشجار الفلين، تنتج بشكل طبيعي كثيرا من السوبرين. غير أن جميع النباتات تنتج ولو القدر اليسير من السوبرين - ما يعني أن من الممكن العثور على جين من شأنه أن يدفعها لزيادة الإنتاج".
"لقد بدأنا نتساءل: كيف يمكننا اختيار أنواع نباتات موجودة بالفعل، تنتج مزيدا من هذا الفلين، وعلى وجه الخصوص، مزيد من الفلين في الجذور؟‘".
يحتفظ نويل بقارورة تحتوي على فلين أرضي، وأخرى تحتوي على سائل بني، وهو نوع من مستخلص السوبرين. كانت إحدى مهامه الأولى تحليل الخصائص الكيميائية للبوليمر سوبرين.
في الخريف الماضي، توصل الفريق، بقيادة لو، إلى اكتشاف رئيس، حيث توصل إلى أن جينا يمكن أن يزيد محتوى السوبرين في الجذور بشكل كبير.
يقول نويل، موضحا، إن السوبرين يساعد النباتات على أن تكون أكثر مقاومة للجفاف والفيضانات: "الآن، لا يمكننا اختيار أصناف النباتات التي تدفن الكربون في التربة فحسب.. بل تلك التي يمكنها أيضا أن تسمح للنبات بالبقاء على قيد الحياة، بقدر أقل من الماء أو حتى أكثر من الماء".
على الرغم من أنه يجعل الأمر يبدو وكأنه يتحدث عن جزيء عجيب، إلا أن السوبرين ليس هو النهج الوحيد الذي يختبره الفريق.
إن تطوير نباتات لديها جذور أعمق وأكبر حجما - التي لا تتحلل بالقدر نفسه - هو أيضا مهمة أساسية.
في الأشهر الأخيرة، نجح الفريق في تحديد الجينات التي تستطيع القيام بالأشياء الثلاثة جميعا في نبتة الأرابيدوبسيس: تحفيز نظام جذور عميق، وزيادة كتلة الجذور، وتطوير مزيد من الفلين في الجذور.
المهمة الآن هي معرفة ما إذا كانت هذه الجينات تعمل بالطريقة نفسها في نباتات أخرى. سيبدأ الاختبار الميداني في وقت لاحق من هذا العام، لدراسة الفترة التي يستطيع فيها السوبرين البقاء في التربة. وفي ضوء ذلك، يمكن إنتاج النموذج الأولي للنبتة المثالية في غضون خمس سنوات، كما تقول المجموعة، ويمكن أن يحدث نشر التقنية في العالم، على نطاق واسع خلال عقد من الزمن، بغرسها في مزارع تجريبية على الأقل.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES