ثقافة وفنون

حوسبة الخط العربي .. كتابات جميلة بروح بليدة

يقول الرسام والفنان التشكيلي الإسباني الشهير بيكاسو "إن أقصى نقطة أردت الوصول إليها في الفن التشكيلي وجدت الخط العربي قد سبقني إليها منذ أمد بعيد".
من مقولة بيكاسو يمكن أن نستدل على جماليات الخط العربي وإبداعاته، الذي استمر عبر القرون الماضية في مآرب شتى، ودخل في فن الزخرفة الإسلامية التي نهل العالم من أصولها، ويتجلى الاهتمام بها حتى اليوم، من خلال اللوحات الفنية والزخرفة التي تزين المساجد والمنازل، وتتضمن آيات قرآنية، وأحاديث شريفة، أو مقولات وحكما نفيسة.

تحويل الحروف إلى فن
انطلاقا من المقولة التي يرددها الخطاطون "حسن الخط من مفاتيح الرزق"، أو "الخط الحسن يزيد الحق وضوحا"، التقت "الاقتصادية" الخطاط السعودي خالد السليمان، الفنان الذي عشق الخط، وحوله إلى لوحات فنية، أبهرت زوار المعارض التراثية والترفيهية التي يشارك فيها، فوقفوا مذهولين أثناء كتابته أسماءهم بروائع الخط العربي، محولا الحروف إلى فن.
هوايته تحمل في طياتها كثيرا من الثقافة والتراث، وبراعة، وحسا فنيا، وصبرا، رغم التطورات التقنية المتلاحقة، التي لم تستطع أن تجاري الخطاطين في مهاراتهم، ليخرج القلم منتصرا في كل مرة.

موهبة نادرة
تميز السليمان بقدرته على كتابة الأسماء بأسلوب متميز، مطوعا الخط العربي في ثناياه، ليخرج لوحات تنبض جمالا.
يعمل الخطاطون عادة في صمت، بعيدا عن الأضواء، وهو ما يلمسه الزوار في خالد السليمان، يعمل الخطاطون دون أن يجدوا الاهتمام الكافي، مثل عرض إبداعاتهم، وتنظيم المسابقات في عالم الخط، وإقامة الدورات التدريبية في فنّهم، وتعليق لوحاتهم في المؤسسات الرسمية والمنازل، والأماكن العامة، ما يمنحهم الحافز والدافع إلى الاستمرارية.
عن معرض الرياض للأصالة والتراث، الذي شارك فيه السليمان أخيرا، يروي أنه كان يرى في وجه الناس ردود فعل الإعجاب والدهشة، في حين تمنى كثيرون لو أنهم يمتلكون مثل هذه الموهبة النادرة، ويرى بدوره أن هذه المعارض خطوة في الاتجاه الصحيح، إذ يحرص على المشاركة عادة لنقل التراث والموروث الأصيل، ونقل صورة مشرقة عن الخط العربي وجمالياته.

معلم للمرحلة الابتدائية
الخطاط خالد السليمان معلم لطلاب المرحلة الابتدائية، وما يثير الدهشة أنه يعلم مادة بعيدة كل البعد عن حبه وموهبته، إذ يدرس مادة الرياضيات.
إلا أن السليمان لم ينسَ حبه الأول، فنظم دورات في مدرسته، تطوعا منه، في مسارين اثنين، المسار الأول يتضمن دورات تدريبية للطلاب ذوي الخطوط "الرديئة" لتحسينها وإكسابهم الثقة بنفوسهم، وتسهيل فنون الخط على المبتدئين، فيما خصص المسار الثاني للطلاب الذين يملكون الموهبة، مقتطعا من وقته لتعليم أساسيات الخط، وقواعد الخطوط الشهيرة مثل الثُلث والكوفي والديواني.
يقول لـ "الاقتصادية"، "إن الدورات التي يقدمها أسهمت في تحسين مهارات الطلاب في عالم الخط"، مبينا أن 12 إلى 17 طالبا يشاركون في كل دورة، التي تستمر عادة من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، في أيام وساعات محددة مسبقا.
ولفت السليمان إلى أنه احترف الخط العربي منذ عام ونصف، واكتشف موهبته مصادفة، وزاد من مهاراته حينما عاد إلى الكتب القديمة في الخط، محاولا تقليدها، كما اكتسب بعضا من مهاراته من كتب الصف الأول الابتدائي سابقا، حيث يرى أن عودة منهج الخط إلى صفوف المرحلة الابتدائية مبادرة إيجابية تشكر عليها وزارة التعليم.
وكانت الوزارة قد كشفت أن منهج الخط والإملاء للصف الثالث يحتوي رسوما متحركة وتطبيقات جديدة لممارسة الخط والإملاء، وستكون جميع النصوص المقررة مستمدة من "رؤية المملكة 2030" ليتم ترسيخها في أذهان الأطفال.

قتل جماليات الخط
يقول الخطاط السعودي خالد السليمان في حديثه "إن الحواسيب والتقنيات الحديثة قتلت جماليات الخط العربي، إذ ألقت التقنية بظلالها على هذه الإبداعات، وأصبحت الحواسيب تنتج كتابات لبعض الخطوط بشكل آلي، دون تعمق في الأساسيات الجمالية".
إلا أن الخط - حتى اللحظة - لا يزال مصدر رزق لكثير من الخطاطين، بمثل كتابة لوحات المحال وعناوين الكتب والمجلات، ولوحات المنازل، ولو بدرجة أقل من العقد الماضي، وأصبح يعتمد على الكمبيوتر كونه حلا سريعا وسهل التحضير، بعيدا عن التذوق الفني للإبداع، الفاقد للأصالة، التي يتميز بها ما يكتب بيد الإنسان.
ويعتمد الكمبيوتر عادة على نماذج جاهزة من الخطوط، وقوالب نمطية تفتقد اللمسة الإنسانية، ما يحرم القارئ حالة الإبداع، فلا تحمل العبارة المكتوبة أي قيمة جمالية، ولو تمت المزاوجة بين الخط اليدوي وخط الحاسوب من خلال تطبيقات وأدوات مناسبة، لأصبحت المخرجات في غاية الروعة والإتقان.
ولأهمية الخط العربي وقدسيته، التي اكتسبها من حفظه الوَحي في القرآن الكريم، ووجوده في عناصر الحضارات العربية وركائزها، انصب الغرب على اكتشاف وتذوق هذا الجمال الفريد، ما يعكس تواصلا حضاريا، وصل إلى حد التأثير في الفن الأوروبي، بل استخدم في العمارة والصناعة والمنسوجات في أوروبا وأمريكا الشمالية، ضمن إطار جمالي زخرفي، بمعزل عن المضمون.
ومما ساعد على هذه الحظوة التي نالها الخط العربي في أوروبا، مرونته، وقدرته على التشكل في أي مساحة يريدها الفنان، بخلاف خطوط بعض اللغات الأخرى، كما أنه يتميز بالدقة والرونق الذي يمكن أن يشكل إضافة إلى أي عمل فني، ومساهمته في الارتقاء بذائقة الناس على اختلاف ثقافاتهم وبيئاتهم.

أقرب اللوحات إلى النفس
يقول السليمان حول اللوحات التي يرسمها "إنه لا يفضل نشر صورها، سواء في حساباته على منصات التواصل الاجتماعي أو في وسائل الإعلام، وكذلك المعارض التي يشارك فيها، كون اللوحة التي يكتبها لزائر، تصبح مباشرة ملكا له، ولو كانت إهداء دون أي مقابل مادي".
وحول أغلى اللوحات التي خطها بقلمه وأقربها إلى نفسه، كشف أنه أهدى والدته لوحة بحجم 100 سنتيمتر × 50 سنتيمترا، تضمنت عبارة البسملة بالخط الديواني، بشكل فني متميز، عدّها الأجمل والأقرب إلى قلبه.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون