ثقافة وفنون

في انتظار إعجاب المتابعين .. كاتب مع وقف التنفيذ

مع التقدم في وسائل التقنية أصبح كل من يقرأ يكتب، وبات الكل مشروع كاتب، أو قاب قوسين من أن يصير كاتبا مستقبلا. فبمجرد امتلاك صفحة للتدوين على شبكة الإنترنت أو مواقع التواصل الاجتماعي، يفتح لك الباب لخوض مغامرة الكتابة، ويحول صاحبها إلى كاتب مع وقف التنفيذ، في انتظار أن ينال اعتراف الجمهور والمتابعين.
اعتراف بإمكانه تحويل شخص مغمور ونكرة بين عشية وضحاها إلى أشهر من نار على علم. تفتح أمامه كل الأبواب، ويستقبل في القنوات الإعلامية، ويستمع إليه الجميع وينصت، وقد يتحول إلى مرجع يستشار، ويُطلب رأيه في الفنون والآداب كافة. كل هذا وزيادة، فقط لأن ما يكتبه يحظى بإعجاب متابعيه، ويدفعهم إلى التعليق عليه، ومشاركته على أوسع نطاق.
فجأة، انقلبت المعايير المعتمدة في الكتابة والإبداع في العوالم الافتراضية، من جدّة الأفكار وجودة المضمون وسلامة بناء النص؛ أي محددات ذاتية ترتبط بمستوى المكتوب، إلى عناصر خارجية تتعلق بكيفية تلقيه، والوقع الذي يخلفه لدى الآخرين، ممن أضحوا محدِدا جوهريا في الحكم والتقييم. علما بأن عددا من هؤلاء، عادة ما يوزع الإعجاب والتعليقات من باب المجاملة ليس غير.
ندع جانبا القارئ، أو بتعبير أدق المتلقي؛ فهي أقرب إلى الصواب من الأولى، لنعود إلى الكاتب أو المبدع، الذي يجد نفسه نجما تُسلط عليه الأضواء، فيظن نفسه فعلا مبدعا لا يشق له غبار، في زمن السيولة المطلق؛ بحسب الراحل زيجمونت باومن. فإلقاء سيل من الكلمات في لوح إلكتروني في فضاء افتراضي؛ يتلقفه المتابعون كافٍ لجعلك كاتبا.
يبدو أن الوقت حان للتخلي عن سؤال ظل رديف الإنسان على مر تاريخ التدوين الطويل، يتعلق بالدافع إلى الكتابة أو العلة من دوائها؛ بمعنى "لماذا نكتب"؟ هذا السؤال لم يعد يحظى بأي أهمية عند معظم مبدعي الثورة الرقمية. وليس من المبالغة في شيء القول إنه غير مطروح لديهم، فهو بمعية أسئلة إشكالية أخرى أصبح في خبر كان.
لا يدرك كثير من مبدعي اليوم ماذا كان يمثله هذا السؤال بالنسبة إلى أسلافهم، وكيف كانت الإجابات عنه تتباين حد التعارض أحيانا. فالكتابة اكتشاف للذات لدى هنري ميشو، "أنا أكتب لاكتشاف نفسي". وكل ما بالإمكان صناعته، بالنسبة إلى الكاتب الإيرلندي صامويل بيكيت، "لا أصلُحُ إلا لذاك". فيما يعدها آخر تحديا وجوديا؛ "نحن لا نريد أن نموت، نكتب لننجو من الموت، نكتب لكي نحظى بخلود من نوع خاص". باختصار، "أكتب لأهزم الموت".
شغل هذا السؤال الأدباء عبر الحقب، فخصته كلير دولانوي في "رسالة إلى كاتب شاب" بفصل كامل حمل عنوان؛ "لماذا نكتب"؟ وجاء في رسالة فلوبير إلى لويز كولي، «أكتب لنفسي، لنفسي فقط، تماما كما أدخن وأنام. إنها وظيفة شبه حيوانية، ما دامت شخصية وحميمية". أما كليمون روسي في "اختيار الكلمات" فهو "يكتب محاولا فهم الموضوعات التي على الرغم من أنها تثير اهتمامي، أتصورها بطريقة مشوشة".
وبلغ الأمر بمارجريت دورا؛ في "فعل الكتابة"، حد اعتبار "الكتابة هي المجهول... إنها ما لا نعرفه عن أنفسنا ورؤوسنا وأجسادنا. إن فعل الكتابة ليس عملية تفكير، بل هو نوع من الملكات التي تتجاور، جنبا إلى جنب، مع أنفسنا. إن فعل الكتابة هو بمنزلة شخص آخر كامن فينا، يظهر ويتقدم بشكل خفي، له فكره الخاص به، ولحظات غضبه، بل إنه، أحيانا، وبسبب أفعاله، قد يواجه خطر فقد حياته".
أما ميشيل بوتور فتلتحم لديه الحياة مع الكتابة؛ إنهما وجهان لعملة واحدة، "قادتني الضرورة إلى الرواية، فلم أستطع تجنبها.. لا أكتب الروايات لبيعها، بل بغرض الوصول إلى تحقيق وحدة في حياتي؛ لذلك الكتابة – بالنسبة إلي - بمنزلة العمود الفقري، بالنسبة إلى الجسد".
ضد كل هؤلاء، وفي تقدير غريب من قامة بحجمه، يقر ماركيز بأن أي فعل نقوم به تكون وراءه منفعة أو غاية، إلا الكتابة. ما دفع إلى القول "أي سر هو هذا الذي يجعل مجرد الرغبة في رواية القصص تتحول إلى هوى، يمكن لكائن بشري أن يموت من أجله، أن يموت جوعا أو بردا، أو من أي شيء آخر، لمجرد عمل هذا الشيء الذي لا تمكن رؤيته أو لمسه.. هو شيء في نهاية المطاف، إذا ما أمعنّا النظر، لا ينفع في أي شيء".
يحكى أن الروائي جورج أرويل كتب، بعد مرور سبع سنوات على صدور روايته "مزرعة الحيوان"، مقالة بعنوان "لماذا أكتب"، أفصح فيها عن رغبته في إصدار رواية أخرى، عدّها بشكل جازم أنها ستكون فاشلة. لماذا هذا الجزم بالفشل؟ الجواب على لسانه "كل كتاب هو فشل"، لكنه يستدرك "لكنني أعلم بشيء من الوضوح أي نوع من الكتب أريد كتابته". بعد سنتين جاءت تلك الرواية، التي لم تكن سوى رائعة "1984".
لقد دفع التفكير في هذا السؤال همنجواي إلى إعادة كتابة آخر صفحة من روايته "وداعا للسلاح" 39 مرة. وفرض على ماركيز الاستغناء الكلي عن 300 صفحة من رواية "خريف البطريرك"، التي لم يحتفظ منها سوى باسم الشخصية فقط، وجعل الفرنسية مارجريت يورسينار تحتفظ من الصيغة الأولى لرواية "ذاكرة أدريان"، بجملة واحدة فقط، بعدما أمضت 20 سنة في كتابة النص.
يطول بنا المقام في سرد وقائع عمالقة الأدب مع التفكير في جدوى الكتابة، الذي أسقطته ثقافة الحشو من ذاكرة مبدعي هذا العصر الرقمي، ولا بأس من إحالتهم إلى كتاب مثير بعنوان "التنقيب بين السحب" للإسباني خيسوس جريوس، يبحث في أسرار الكتابة وخبايا المطبخ السري لكبار المؤلفين في صنع أعمالهم الشهيرة وغرائب عوائدهم، ونظرتهم إلى الكلمة ودور الكتابة.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون