مخاطر متعددة على النمو العالمي

|


منذ منتصف العام الماضي، تتصاعد التحذيرات من المخاطر التي تحيق بالنمو الاقتصادي العالمي، خصوصا في أعقاب تفاقم الأزمات التجارية بين بلدان كبرى، ولا سيما الصين والولايات المتحدة، وأيضا هذه الأخيرة والاتحاد الأوروبي. والنمو العالمي -في حد ذاته- لم يكن كبيرا في الأعوام القليلة الماضية، إلا أنه اتسم بالاستدامة المتواضعة، ولا سيما في الفترة التي سبقت الخروج النهائي من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت في 2008. وبالفعل، عادت الثقة بعض الشيء إلى الحراك الاقتصادي، قبل أن تستفحل المعارك التجارية التي يطلق عليها البعض الحروب التجارية. لكن الأمور تتغير لأسباب عديدة، منها طبعا التوتر التجاري العالمي الناتج عن الرسوم الجمركية الجديدة، والرسوم الأخرى المضادة، إضافة إلى عوامل متعددة لا تبشر بخير.
ومن الجهات الأكثر تحذيرا من المخاطر التي تستهدف النمو، صندوق النقد الدولي الذي يرى الآثار السلبية في الاقتصاد العالمي تتعاظم؛ بسبب تباطؤ التجارة والاستثمار، وتراجع الإنتاج الصناعي خارج الولايات المتحدة، وضعف مؤشرات المشتريات، وضعف الزخم. وكلها عوامل قاصمة حقا للنمو إذا لم تتم السيطرة عليها، وهذه السيطرة لن تتحقق في الواقع إلا بالتفاهم الدولي، والمرونة التي تتطلبها الحالة. التحذيرات التي نتحدث عنها، لا تعني أن النمو الاقتصادي سيشهد تراجعا كبيرا في المدى المتوسط، كما تؤكد إدارة صندوق النقد، لكنها تقرع الأجراس التي لا بد أن ينصت إليها صانعو القرار الاقتصادي السياسي العالمي. ففي آخر قمة لـ"مجموعة العشرين"، لم تحدث انفراجة كانت مطلوبة مثلا بين بكين وواشنطن.
وكذلك الأمر في الجمعيات العالمية الأخرى، لا يزال الوضع على ما هو عليه. ففي الوقت الذي كان يجب على العالم الاحتفال بانتهاء حقيقي لآثار الأزمة الاقتصادية العالمية، دخل في أزمات هنا وهناك بين دول محورية على الساحة الدولية. المهم الآن الحفاظ على النمو الراهن للاقتصاد العالمي؛ أي أن يبقى ضمن الإطار المقبول، على أمل أن تذوب التوترات في المرحلة المقبلة؛ ما يعني إعادة كاملة لعجلة التجارة العالمية، التي تعد إحدى الركائز الرئيسة لهذا النمو، ولا بد أن تعود الثقة إلى الاقتصاد العالمي، فكثير من النشاطات المحفزة توقفت في عدة أماكن عالمية رئيسة لغياب اليقين، وعدم ظهور مؤشرات عملية على زوال التوتر القائم، يضاف إلى ذلك أن العالم يحتاج بالفعل إلى دائرة كاملة للإنتاج الصناعي، وهذا عنصر يركز عليه صندوق النقد الدولي.
لا شيء يمكن أن يوفر أرضية صلبة للاقتصاد العالمي سوى النمو الصحي، وهذا النمو لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل تفاهم واقعي بين دول العالم كافة، خصوصا تلك التي تشكل محاور أساسية على كل الساحات التجارية والصناعية والمالية وغيرها. بالطبع، يعد المستوى الراهن للنمو جيدا إذا ما أخذنا في الحسبان أن الاقتصاد خارج للتو من آثار الأزمة العالمية. فالتوقعات تشير إلى وصوله إلى 3.5 في المائة هذا العام، وسيرتفع بصورة طفيفة إلى 3.6 عام 2020، لكن هذه الأرقام تظل أقل مما كان متوقعا لمستقبل النمو في الأشهر الماضية. كانت كلها تشير إلى إمكانية أن يصل هذا النمو عام 2019 إلى ما فوق 4 في المائة أو حول هذا الرقم. ما يحتاج إليه العالم اليوم، الحفاظ على النمو الحالي للاقتصاد العالمي، والتركيز على حل الخلافات التجارية أو تجميدها على الأقل.

إنشرها