«رهف» ما بعد العاصفة

|


الانحرافات السلوكية وهرب المراهقين عموما والبنات خصوصا ظاهرة تحدث في جميع المجتمعات البشرية دون استثناء، لكن بدرجات متفاوتة، وتحت ظروف متباينة، ولا يقتصر حدوثها على الوقت الحاضر، بل كانت تحدث منذ الأزل. ولا شك أن هناك بعض الفروق بين الماضي والحاضر، في الماضي الحياة أكثر بساطة، في حين إن الحياة المعاصرة "المدنية" أصبحت أكثر تعقيدا، والأسر أكثر تفككا وأقل تكافلا، مع طغيان الحياة "الفردية"، ما يعظم المشكلات النفسية، ويزيد الاكتئاب والانطواء لدى بعض الناس، خاصة مع تضاؤل الوقت الذي يقضيه أفراد الأسرة مع بعضهم بعضا، ومن ثم تقلص الحوار الأسري. علاوة على ذلك، فإن العالم أصبح قرية صغيرة، تتداول ما يحدث لأفرادها، فأصبحت الأحداث والجرائم التي تحدث في بلدة صغيرة نائية في الصين على سبيل المثال، يسمع بها الناس في قرية أو هجرة صغيرة في المملكة، ونتيجة لذلك يبدو لبعضهم أن الأحداث والكوارث في اتجاه متزايد، وربما لا يكون ذلك صحيحا في كل الأحوال، لكن هو فعل وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت في متناول معظم الناس بأسعار منخفضة. وبسبب ذلك أصبح هناك تضخيم لكثير من القضايا والأحداث بدرجة أكبر مما كان عليه الحال في الماضي.
من خلال متابعة مأساة "رهف" المؤلمة لأسرتها وأقاربها خصوصا، وللمجتمع السعودي عموما، يتضح عدد من الأمور التي تستدعي النظر والاهتمام، منها:
(1) إن مثل هذه الأحداث الإنسانية المؤلمة والانحرافات السلوكية المحيرة تحدث في جميع المجتمعات الشرقية والغربية على حد سواء، فلا يوجد مجتمع بشري "ملائكي" معصوم من هذه القضايا المثيرة والمؤلمة. ومن المؤكد أن كثيرا من القضايا المماثلة لقضية "رهف" حدثت في الماضي، وستحدث في المستقبل.
(2) تعاني معظم الأُسر تدنيا في مستوى الحوار والتواصل بين أفرادها، وذلك لانشغالهم بشؤونهم الخاصة، دون وجود تفاعل يذكر داخل الأسرة؛ ما يزيد من معاناة بعض الأفراد، لعدم إحساس الآخرين بآلامهم ومعاناتهم، ما يفاقم الوضع ويؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. وللدلالة على ذلك أن شخصا ما يقوم بالتخطيط للهرب إلى دولة أخرى دون إحساس أحد من أفراد الأسرة بوجود مشكلة، أو ملاحظة دلائل على معاناة نفسية!
(3) هناك إخفاق من قبل علماء الاجتماع، خصوصا، والمتخصصين في العلوم الاجتماعية عموما، في عدم مواكبتهم التحولات، التي تشهدها المجتمعات العربية، ودراسة إفرازات التحول الاجتماعي دراسة علمية وموضوعية، بعيدا عن المكابرة والنظر إلى مجتمعاتنا العربية أنها مجتمعات "ملائكية" معصومة من الأخطاء والانحرافات السلوكية.
(4) ضرورة توفير الاستشارات والإرشاد النفسي وجعلها في متناول الشباب، وفق إجراءات مهنية جادة، تسهم في إيجاد حلول لمشكلات الشباب، دون الاقتصار على الإجراء المتبع، وهو إعادتهم إلى أسرهم بعد أخذ "التعهد" على ولي أمر الشاب أو الشابة بعدم تكرار العنف.
(5) الاقتراب بالخطاب الديني المعتدل للشباب والناشئة، مع إيجاد أجواء ودية للحوار الديني المتسامح من أجل تقريب الشباب للدين.
وأخيرا، في مثل قضية الشابة الصغيرة التائهة "رهف"، فإن الأمر يتطلب الاحتواء، ومد يد العون إليها، والتصالح والتسامح معها، لإصلاحها وفتح أبواب العودة لها، ومساعدتها على التصدي لتحديات الحياة وصعوباتها، فلربما كلمة طيبة تشجعها على العودة إلى أهلها ومجتمعها، أو تدعمها لبناء حياة جديدة ناجحة.

إنشرها