القائد المعلم

|

ليس سهلا أن يخرج المرء من وظيفته القيادية ولا يبقى له أثر، ذلك يعد من المستحيلات خصوصا عندما نتحدث عن قائد مثل الأمير سعود الفيصل الذي قاد السياسة السعودية في أحلك فترات التعامل مع الأحداث والمستجدات والتحديات الدولية والإقليمية. لذلك كان من المنطقي أن نسمع حديثا مثل الذي قدمه الجبير وزير الدولة للشؤون الخارجية عن العلم والحكمة اللتين جناهما من تعامله مع علم مثل الأمير سعود الفيصل -رحمه الله.
أتوقع أن يخرج الوزير بكتاب يصف فيه علاقته بالوزارة، ومن أهم فصوله ما يخص رئيسه السابق الذي كانت له شخصية مميزة و"كاريزما" خاصة شهد بها الجميع. لعل أهم ما يمكن أن ينقله القائد لمن حوله هو سلوكه. وإذا كان الناس يمارسون سلوك رؤسائهم أو يتبنونه في الغالب كطريقة صحيحة للتعامل مع الناس والأشياء، فأكثر العاملين سيكونون تلامذة في فصول قادتهم، يزداد تأثير القائد في من حوله وتحته عندما تكون قناعتهم بسلوكه وكفاءته وتحقيقه الأهداف واضحة لهم.
لهذا تجد كثيرا من المؤسسات العالمية تعتمد الورش التي يتم فيها تنفيذ عمليات التغذية العكسية لكل ما يتخذ من القرارات، هذه الورش تبنى على تحويل السلوك الجسدي والفهم الذهني إلى كلمات يمكن أن تطبع وتوزع على الجميع، لأخذ الفائدة وبناء المفاهيم العامة التي تحكم التعامل، بل قد تعد المُثل التي تعتمدها الشركات في تعاملها مع الغير.
لو دخلت في تفسير كل ما قيل وما عبر عنه الوزير الجبير من صفات ومهارات قيادية تمتع بها الفقيد، فسأكون قد حرمت القارئ من عدد لا يستهان به من الصفات والمزايا التي تمتع بها الفقيد. لذلك أجده من المناسب أن نرى كتابا يحوي بين دفتيه ما يحمله منسوبو الوزارة من كنوز نتيجة تعاملهم مع العلم الذي كان بدون شك يعلمهم كل يوم شيئا جديدا.
العمل في مجال السياسة الخارجية ودهاليزها، والمصاعب التي ترافق هذا العمل المرهق تبني شخصيات رائدة على مستوى العالم، ومن المزايا المهمة في المجال هي أن التعامل ليس مع فئة أو دولة أو قارة بعينها، بل إنه منظور عالمي يجد الواحد نفسه فيه يعمل في حقل ألغام من البروتوكولات والتفسيرات والمفاهيم التي تختلف باختلاف الناس والثقافات والبيئات، وهو ما يجعل العمل في "الخارجية" من أصعب الأعمال وأكثرها بناء للقادة المميزين.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها