البحث العلمي .. الجامعات .. المجتمع

|

تزخر مكتبات الجامعات بالبحوث والكتب والدراسات، التي أنجزت من قِبل الأساتذة وطلاب الدراسات العليا في كل المعارف الطبيعية والإنسانية والاجتماعية واللغوية والشرعية، وهذا الأمر ليس مقتصرا على جامعاتنا، بل كل جامعات العالم لكن بنسب مختلفة، حسب الإمكانات المتوافرة. ومع توافر التقنية الحديثة ذات الإمكانات الهائلة، وُجِد ما يسمى "المكتبات الإلكترونية"؛ لتحل محل الورق، الذي يحتاج إلى تخزين وتوسع في الحيز؛ تلبية لكثرة البحوث والمؤلفات المنشورة، إضافة إلى سهولة البحث عن المعلومة المطلوبة.
في جامعة ميتشيجان، يوجد مركز يُعنى بأرشفة وتصنيف الرسائل والأطروحات الجامعية في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، المنجزة في جامعات أمريكا، حسب المواضيع والتواريخ والباحثين والجامعات التي أنجزت فيها الرسائل. وقدم المركز خدمات جليلة للباحثين؛ حيث يبعث الرسالة إلى طالبها في أي مكان من أمريكا؛ ليستفيد منها الباحث، ويعيدها بعد الانتهاء منها. وقد كنت أحد هؤلاء المستفيدين خلال دراستي، فما لا يتوافر من رسائل في الجامعة التي أدرس فيها، ما يكون علي إلا طلبها من خلال مكتبة الجامعة؛ لأحصل عليها بعد ثلاثة أسابيع على الأكثر.
راق لي موضوع أطروحة دكتوراه لطالبة سعودية أنجز في جامعة بيركلي في كاليفورنيا، رغم أن موضوعها ليست له علاقة بتخصصي الدقيق؛ حيث تتناول الرسالة ما يمكن تسميته "تربية النخبة في السعودية"، فطلبتها من جامعة بيركلي، وصادف أنها قد طُلِبت من جهة رسمية في أمريكا، فطلبتها من جامعة ميتشيجان، وجاءتني الرسالة مع شرط الاطلاع عليها داخل المكتبة؛ حيث أتسلمها من إدارة المكتبة، وأعيدها لها مع تعهد بعدم تصويرها، وتم ذلك حتى أنجزت قراءتها.
أسوق هذا المثال؛ لبيان كيف هي قيمة البحث العلمي، وأهمية خدمة الباحثين؛ لنمو المعرفة، واكتشاف ما يمكن من أسرار الكون والنفس البشرية والمجتمعات بمكوناتها الثقافية والقيمية والدينية؛ إذ كانت الرسالة المشار إليها قد استخدمت منهج تحليل المحتوى لبرامج دينية في التلفزيون السعودي، يعتقد أنها ذات تأثير في تشكيل العقلين الفردي والجماعي في بلادنا، ولذا جاء التحفظ والاهتمام بالرسالة وصاحبتها فيما بعد. وقد حدث لي موقف مشابه حين كنت أقضي جزءا من سنة التفرغ في جامعة لندن؛ إذ حين لا أجد بعض المصادر، ما عليَّ إلا إبلاغ إدارة المكتبة؛ ليطلبوها من الجامعات التي تتوافر فيها، فتصل إليَّ خلال أيام معدودة.
خدمة البحث العلمي، وتوفير الإمكانات له، وتيسير الوصول إلى المعلومة أمور لم تعد كما كانت في السابق، بل بضغطة زر يمكن للباحث الوصول إلى ما يريد، مع أهمية التأكيد على سرية بعض المعلومات ذات القيمة الاستراتيجية، وذات العلاقة بالتنافس بين الدول على المصالح والنفوذ العالمي؛ ولذا لا يمكن اعتبار أن كل المعلومات ستتاح للجميع، وهذا يحتم علينا في الجامعات أن يكون لنا دور بارز كلٌّ في مجاله؛ لتنشيط البحث العلمي، وتوفير ما يحتاج إليه الباحثون من دعم مادي ومعنوي ولوجستي، بدلا من ترك الباحث يشقى للوصول إلى بعض الأشياء البسيطة، التي تحول دونها بيروقراطية قاتلة، وقلة وعي مسؤول بقيمة البحث العلمي في نمو وتطور الأمم.
كما أشرت -وإن بصورة غير مباشرة- إلى استثمار الدول المتقدمة في البحث العلمي لتعزيز مكانتها، والحفاظ على مصالحها، وبناء قوتها الاقتصادية والعسكرية، وفرض نفوذها على الآخرين، لا يمكن أن يتم لولا استثمار البحث العلمي خلال عقود، عملت فيها العقول داخل المختبرات وفي الميدان؛ ما مكنها من الانتصار في معركة النمو والهيمنة.
إن قيمة البحث العلمي مرهونة بالأثر الناجم عنه، سواء بالإضافة إلى المعرفة العالمية كشفا جديدا، أو بلورة نظرية جديدة تفسر ظاهرة غامضة، أو علاج مشكلة سلوكية، أو ظاهرة اجتماعية غير سوية، أو حسن استثمار المصادر الطبيعية التي حُبي بها الإنسان.
عندما تتحول البحوث إلى مجرد أوراق مكدسة على الأرفف، وفي الأدراج، وفي بطون الكتب والمجلات، ومستلات المؤتمرات العلمية يجب أن نسأل: على من تقع مسؤولية عدم الاستفادة من نتائجها؟ فهل تقع على الباحث الذي أنفق المال وبذل الجهد والوقت في إنجاز البحث، أم على الجهات ذات العلاقة التي لم تسعَ إلى الاستفادة من النتائج؟ وهل الباحث سواء كان فردا أو جامعة مَعْنِيٌّ بالتسويق لبحثه، أم الجهة المستفيدة هي التي يجب عليها الوصول إلى هذه البحوث؟ وهل لتجاوز هذه الإشكالية يمكن التفكير في وسيط تسويقي بين الطرفين على شكل شركة متخصصة في هذا الشأن؟

إنشرها