حوكمة الجامعات

|

تتسم مؤسسات التعليم العالي بالاستقلالية لكنها استقلالية شكلية وليست حقيقية، فغالب جامعاتنا تعد نسخة طبق الأصل من مؤسساتنا، مناهج متشابهة، تخصصات متطابقة، مؤسسات تسعى إلى الترهل، وزيادة الحجم على حساب جودة المدخلات والمخرجات. وقد عايش التعليم مرحلة إصلاحية مطلع عام 2015، تمثلت في دمج وزارتي التربية والتعليم، والتعليم العالي في وزارة التعليم، وصاحب ذلك إلغاء مجلس التعليم العالي لإعادة صياغة وتوجيه هذا القطاع المهم. بدأ مشروع إعادة بناء نظام للجامعات؛ ليحل بديلا عن النظام السابق ويمنح الجامعات مزيدا من الاستقلالية الإدارية والمالية، وهذا مطلب مهم لمنح الجامعات الفرصة للتطوير والبحث، لكن هذا النظام بمجرد إعلانه من وزارة التعليم واجه معارضة شديدة على جميع المستويات، وأثبت ذلك عند فشل النظام في مجلس الشورى، ليؤكد أن من عمل على صياغة النظام لم يكن يدرك ما وصلت إليه الجامعات من تقدم إداري بغض النظر عن منتجات التعليم وجودتها.
فالجامعات تتميز عن غيرها من مؤسسات التعليم العام بثقافة مؤسسية، تمكن الجميع من المشاركة في صنع القرارات، وإدارة المناشط بشفافية عالية، وتعتمد في هيكلتها على نظام المجالس والعمل الجماعي؛ لصنع القرارات وصياغتها، وتمتاز كثيرا بقدرتها على التطور باستمرار وبعيدا عن القيود المفروضة من النظام المركزي في الإدارة. نظام حوكمة الجامعات أحد أفرع الحوكمة في المؤسسات الخدمية العامة التي استقت مبادئها من حوكمة الشركات Corporate Governance ومن تعدد أصحاب المصالح ونظريات الحوكمة المختلفة. تعرف الحوكمة هنا بأنها إنشاء وتأسيس هيكل واضح يضمن المساءلة والمسؤولية والشفافية، ويعرف الدور الذي تقوم به المجالس والإدارات التنفيذية Steger and Amann 2008.
من هذا التعريف نفهم أنه يجب أن تطبق الجامعات نظام حوكمة فعالا؛ لتضمن وجود أنظمة شفافة، تؤطر لعمل المجالس واللجان، وتحدد الصلاحيات والمهام التي تُمنح للإدارات التنفيذية على جميع مستويات الهرم الإداري، التي تشكل ضمانا لتحديد المسؤوليات، وتطبيق المساءلة بأنواعها المختلفة في بيئة ذات شفافية عالية ومشاركة من جميع قطاعات المستفيدين All Stakeholders. ضمان وجود آلية واضحة لاختيار المسؤولين، مع تطبيق آلية الانتخاب أو التعيين وفقا للكفاءة سيغلقان الباب أمام كثير من الاعتقادات التي تقول إن النظام الإداري في مؤسساتنا نظام يعتمد على العلاقات الشخصية بين المسؤول الأول والعاملين دون البحث عن الكفاءة. الإفصاح والشفافية من أهم مقومات النجاح الذي تسعى إلى تطبيقه مدارس الحوكمة المختلفة، ولهذا يجب الاهتمام بتفعيل آليات أكثر وضوحا؛ للإفصاح عن المعاملات والعلاقات الداخلية في الجامعات، وهذا من أكبر العوائق أيضا التي قد تواجهها حاليا. ضمان وجود نظام فعال للمساءلة سيحد كثيرا من تضارب المصالح، ووجود معاملات خفية تحركها مصالح أشخاص أو مجموعات تسعى إلى الوصول إلى مكاسب ذاتية بعيدا عن النفع العام.
منح الجامعات الاستقلالية في صنع القرار دون إيجاد مجالس متعددة تؤدي المهام نفسها سيمكنها من إدارة مؤسساتها العلمية والبحثية، وسيفتح المجال أمامها لمزيد من الاستثمار في الأوقاف والعمل المجتمعي؛ للارتقاء بالمستوى العام لمدنها، كما سيفتح المجال أمام منافسة عالية بين الجامعات لضمان الارتقاء بالعمل الداخلي.

إنشرها