مدخل لتحفيز استثمارات القطاع الخاص

|


هناك دلائل عديدة على حدوث هبوط وضعف في استثمارات القطاع الخاص، والدلائل في السوق والاقتصاد عامة معروفة عند عموم الناس؛ لذا سأذكر دلائل بيانات حكومية، والتركيز على العام الماضي.
يُلاحَظ شبه توقف في نمو كمية النقود بيد الناس من نقد ورقي وودائع مصرفية بين 2014 وأواسط عام 2017، ثم نما بعد ذلك في حدود 5 في المائة. وتقول أرقام مؤسسة النقد، إن القروض العقارية من المصارف للشركات زادت للفترة نفسها قرابة 60 في المائة.
هل انعكس الوضع السابق على الاستثمار، وعلى أرقام الناتج المحلي الخاصة بالإنفاق الاستثماري؟
معروف أن بلادنا تعتمد اعتمادا كبيرا على الاستيراد، وحجم الاستيراد علامة على حركة السوق والاستثمار، بغض النظر عن الرأي في هذه الحركة وطبيعتها. وحسب بيانات مؤسسة النقد، انخفضت واردات القطاع الخاص الممولة مصرفيا من قرابة 233 مليارا عام 2014 إلى قرابة 138 مليارا عام 2017. واستمرت في الانخفاض خلال 2018، لكن بنسبة أقل؛ حيث انخفضت بين الربع الثالث من عام 2017 والربع الثالث من عام 2018، 9 في المائة تقريبا. واللافت أن الانخفاض طال معظم أنواع الواردات، "من طعام ومنسوجات وسيارات وأجهزة وآلات"، ولكن مواد البناء زادت بما يقارب 15 في المائة.
أما بيانات الإنفاق الاستثماري للناتج المحلي، فأرقام هيئة الإحصاء تقول إنه انخفض بما يقارب 16 في المائة بين 2014 و2017، ثم عاد إلى الارتفاع البسيط في حدود 5 في المائة عام 2018.
الخلاصة: إن البيانات بصفة عامة تقول إن الإنفاق الاستثماري نما نموا ضعيفا بدءا من العام الماضي، وهو ما يلاحظه الناس، وجزء من هذا الضعف مفهوم؛ ذلك أن اقتصادنا بكل قطاعاته وعلى مدى نحو 65 عاما قد يعود أنماطا، جوهرها قائم على الاعتماد على دخل النفط. وقد قامت "رؤية 2030" على إحداث تغيير كبير في هذه الأنماط، وهذا التغيير له متطلبات وتبعات، لكن من المهم جدا أن يعرف أنه لابد أولا من التدرج في التغيير؛ لأن التسرع يجر مضار كثيرة، ولابد ثانيا أن تواكب هذا التغيير سياسات تخفف ردود أفعاله غير المرغوب فيها.
أعلنت الدولة قبل عام تقريبا، حزمة تحفيز للقطاع الخاص تكلف قرابة 70 مليار ريال، تلك الحزمة طبيعتها مالية، وتتوافر معلومات كثيرة عن هذه الحزمة؛ ولذا لا أرى حاجة إلى تكرار عرضها، خلاف أن المساحة المخصصة للمقال لا تسمح بالتفصيل.
هناك أنواع أو عوامل أخرى للتحفيز ليست ذات طبيعة مالية، أو على الأقل الجانب المالي فيها ليس هو المباشر أو الأهم، وينبغي أن تُولى تلك العوامل اهتماما، ومن أهمها سياسات المالية العامة والسياسات والإجراءات الحكومية المنظمة لنشاط القطاع الخاص، وهناك التعليم، والتدريب المحلي، وجودة المشورة، والدعم الفني غير المالي، وهناك مدى جودة موظفي الحكومة المنوط بهم منح التراخيص أو مراقبة عمل القطاع الخاص، مدى جودة أدائهم وفهمهم لطبيعة الأنشطة التي يرخصونها أو يراقبونها، وهناك مساهمة الجهات البحثية في النقاش وطرح الحلول، وهناك العادات والثقافات السائدة. وكانت تلك موضوع مقالي الإثنين الماضي 14 كانون الثاني (يناير) بعنوان: "عادات تثبط تنمية الاقتصاد".
سأتحدث عن نقاط تخص العامل الأول وهو الجانب المؤسسي؛ نظرا لأن المقام لا يسمح بعرض تفاصيل أكثر، أو عن بقية العوامل.
يُلحظ أن كلمة استثمار مذكورة في مسمى جهازين حكوميين: وزارة التجارة والاستثمار، والهيئة العامة للاستثمار. ودخلت موقعي الجهتين فلم أجد معلومات توضح حدود واختصاصات كل جهة في الاستثمار. وهذا فضلا عن تنسيق وضبط العلاقة بأجهزة أخرى تمارس دورا في الترخيص لأنواع وأشكال من الاستثمار. ولم أجد معلومات توضح توضيحا جامعا مانعا الصلاحيات والإجراءات والمهام المسؤول عنها كل جهاز فيما يخص الاستثمار, فعلى سبيل المثال، لا يوجد في موقع وزارة التجارة ما يدل على مهام واضحة تجاه الاستثمار، وكيفية تطويره.
جانب آخر؛ من المهم طرح سؤال ثم معرفة جوابه، أفضل ما يمكن السؤال عن علاقة ورد فعل سياسة المالية العامة لدورات الأعمال، وطبعا فهم دورات الأعمال مهم جدا لفهم رغبات الناس في الاستثمار.
تؤدي المالية العامة دورا في خفــــــض حــــدة التذبذبات الاقتصادية، وقد أجريت دراسات وانتهت إلى أن الإنفاق والدعم والتحويلات الحكومية الحالية تسير معاكسة لسير الدورات. وعلى العكس، لوحظ أن الضرائب والإنفاق الاستثماري يسيران في وفاق مع الدورات. ومن هذه الدراسات Does the EU encourage private-sector investment? وحبذا لو أجريت دراسة رصينة للوضع في بلادنا.ا
الخلاصة: إن الإنفاق الاستثماري تعرض إلى ضعف، وبعض هذا الضعف متوقع ومفهوم، وهناك عوامل داخلية حكومية وغير حكومية وعوامل خارجية تعمل على تقليل أو زيادة الضبابية أمام من يفكر في الاستثمار. ومطلوب نقاش وبحث يعطينا فهما بصورة أعمق، وعن طرق تبعد أو تضعف عوائق تواجه المستثمرين، خاصة في نشاطات تمثل ركنا أساسيا في الـ"رؤية". والمقصود طبعا تلك العوائق غير المرغوب فيها مجتمعيا واقتصاديا. إن المستثمر يتوقع تحقيق حد أدنى من الربح، وإذا رأى عوائق تضعف توقعاته، فالنتيجة ابتعاده عن الاستثمار.

إنشرها