لماذا يترك الناس وظائفهم؟

|


يسعى مشغلو العمالة لضمان استمرارية قواهم العاملة ولو لفترة معقولة من الزمن، حيث تتحمل مؤسسات الأعمال تكاليف البحث عن العمالة وتوظيفها وتدريبها وتعودها وتأقلمها مع متطلبات الأعمال. وكلما تعقدت وتطورت طبيعة الأعمال ارتفعت تكاليف استقطاب وتدريب وتوظيف العمالة، ما يستدعي استمرارها في العمل لدى المؤسسات لفترات أطول لتغطية التكاليف. تحاول المؤسسات تأمين نفسها ضد مخاطر ترك العمالة المبكر لوظائفها من خلال إبرام عقود عمل لفترات زمنية معينة، ومع هذا فلا بد من التعامل مع مخاطر تخلي العمالة عن وظائفها من خلال إجراءات انتقاء العمالة والحد من العوامل الطاردة للعمالة داخل المنشآت.
تترك العمالة وظائفها إما لأسباب خاصة بها أو لعوامل متعلقة بالأعمال. ومن أبرز الأسباب الخاصة الرغبة في تغيير طبيعة العمل، فقد يكون العامل أو الموظف غير راض عن طبيعة عمله أو انخفاض أجره أو مشقته أو أوقاته ومدده. وقد يترك الموظفون أعمالهم للعودة لمقاعد الدراسة أو الهجرة "الداخلية أو الخارجية" أو الحصول على تدريب معين. كما قد تترك العمالة وظائفها لارتباطاتها الاجتماعية كانتقال شريك الحياة أو أفراد الأسرة للعمل أو الدراسة في مكان آخر أو لمرض أحد الأقارب. ويصعب على المشغل السيطرة على الأمور الخاصة أو حتى معرفتها عند اختيار الموظفين ويمكنه في هذه الحالة وضع مؤشرات خاصة أو فرض شروط معينة عند التوظيف للحد من هذه المخاطر، أو مساعدة العمالة على مواجهة الصعوبات في حال القدرة على ذلك. ولكن من حسن الحظ أن نسبة الأشخاص الذين يتركون أعمالهم لأسباب خاصة محدودة.
تعود أسباب معظم ترك الوظائف إلى عوامل ناشئة عن العمل أو المؤسسة أو إدارة العمل. ولعل من أبرز أسباب ترك العمل تدني معدلات الأجور والمنافع في المؤسسات. وتحاول إدارات المؤسسات خفض تكاليف العمالة لأدنى مستوى لتعظيم الأرباح، ولكن عليها الحذر من خفضها لمستويات تقل عن نظيراتها في أسواق العمل الذي سينتج عنه عجز في استقطاب العمالة المناسبة. في المقابل ستتدفق العمالة إلى المؤسسة إذا كانت أعلى من المتوسط. وفي هذه الحالة ستتوافر لدى مؤسسات الأعمال خيارات أفضل فيما يتعلق بنوعية العمالة. وتقدم عادة مؤسسات الأعمال التي تبحث عن عمالة ماهرة أو عالية المهارة أجورا ومنافع أعلى من معدلات الأسواق كي تجذب نوعية جيدة معينة من العمالة وتحافظ على استمراريتها في العمل لدى المؤسسة.
يفيد عدد من الأبحاث بأن معظم حالات ترك العمل تعود لأسباب غير مرتبطة بالأجور وأهمها تعامل الإدارة، وبيئة العمل، والأمان الوظيفي، ونوعية المؤسسة والخبرة الممكن اكتسابها. يحتاج العامل "أو الموظف" إلى بيئة وعلاقات عمل معينة لتنفيذ مهام الأعمال على أفضل قدر مستطاع. قد يكون الموظف ذا كفاءة عالية ولكن يجد نفسه في بيئة أو مجموعة موظفين رافضة له أو متحيزة أو غير منسجمة معه أو قد لا يكون قادرا على الانسجام معها. ولا يمكن تعظيم الأرباح إلا بتعاون جميع القوى العاملة التي ينبغي أن يسود الانسجام فيما بينها. يفضل بعض العاملين بيئات العمل المغلقة والمكيفة والهادئة، بينما يجد آخرون أنفسهم في الأعمال الخارجية والتنقل ولا يمانعون من الصخب أو حتى التلوث.
تلعب الإدارة والقدرة على القيادة والتحفيز دورا كبيرا في ضمان استمرار بقاء العمالة في المؤسسات الإنتاجية. ومع أن الجدية في تنفيذ مهمات الأعمال أمر أساسي ومطلوب، إلا أن كثرة الصراخ واللوم والقدح والتهديد بالعقوبات والطرد من العمل ستتسبب في دفع الموظفين للبحث عن أماكن أخرى للعمل وضعف إقبال العمالة على المؤسسات المدارة بشراسة. وتأتي العلاقة مع المدير -كما تفيد التقارير- كأهم سبب لترك العمالة للعمل، لهذا لا بد أن تكون العلاقة بين المدير والعاملين جيدة أو على الأقل مقبولة. من أجل ذلك لا بد للإدارة من التحلي بالمرونة والاحترام في التعامل مع الموظفين ما لم تؤثر في كفاءة العمل. كما ينبغي على الإدارة التواصل مع العمالة وتوضيح الإجراءات ومهام العمل والمسؤوليات بشكل واضح، والعمل على حل معضلات العمالة والإشكالات التي تحصل بينها أو داخل مقار العمل.
تتحاور الإدارة في الدول المتقدمة والمؤسسات المتميزة مع العاملين فيها عند ملاحظة هبوط الإنتاجية، وتحاول التعرف على العوامل التي تقف خلف ذلك حتى لو أدى ذلك إلى تحمل تكاليف إضافية. وسبق أن ذكر لي أحد الأطباء النفسيين العاملين في دولة متقدمة أن بعض مرضاه جاؤوا بناء على طلب مؤسسات إنتاجية تلاحظ عليهم شرود الذهن عن العمل وتدفع تكاليف العلاج النفسي للتخلص من هذه المعضلة. وعموما فإن أفضل طريقة للتعامل مع الموظفين هي التواصل معهم، والتعرف على الإشكالات التي تعيق العمل، وبناء البيئة المحفزة والداعمة للإنتاجية، ومحاولة توفير الانسجام والتوافق بين العاملين أنفسهم وكذلك مع الإدارة. ويلعب المدير المباشر والإدارة الجيدة دورا مهما في دفع وتحفيز الموظفين للإنتاج والرضا بأعمالهم التي يمضون ثلث يومهم فيها، وذلك من خلال تقديم الدعم الفني والإرشاد وتوضيح المسؤوليات وتقدير جهودهم وحسن التعامل معهم.

إنشرها