FINANCIAL TIMES

جولة في دماغ الطير .. ما سر الذكاء الحاد لدى الغربان؟

"مانجو"، غراب يواجه مشكلة محيرة. أمامه صندوق يحتوي على طعام، لكنه لا يستطيع استخراجه، لأن فتحة الصندوق ضيقة. الحل في أسطوانات مصفوفة على صينية بجانبه، بعضها له نهاية مجوفة وبعضها مصمتة. في غضون دقائق توصل "مانجو" إلى كيفية تركيب ثلاث قطع معا لإنشاء عمود طويل بما يكفي لدفع الطعام خارج الصندوق.
هذا الإنجاز، الذي أعلنه باحثون من جامعة أكسفورد ومعهد ماكس بلانك لعلم الطيور في ميونيخ في تشرين الأول (أكتوبر) 2018، يمثل أول حالة مسجلة لأي حيوان غير بشري يجمع أداة مركبة مؤلفة من أكثر من جزأين. فهو أحدث إنجاز في قائمة إنجازات الطيور المذهلة التي تم اكتشافها خلال الـ 20 سنة الماضية، بداية من إنجاز الغراب، "بتي" Betty الذي طوى سلكا مستقيما ليصبح على شكل خطاف يرفع الطعام من صندوق، إلى تجارب تظهر أن الببغاوات المتكلمة لا تقلد فقط صوت الإنسان، بل تكتسب بعض الفهم لما تعنيه الكلمات.
عبارة "عقلك كعقل الطير"، التي كانت إهانة حتى وقت غير بعيد، أصبحت عبارة مديح وإطراء. أدمغة الطيور التي افترض العلماء سابقا أنها مركبة للاستجابة غريزيا للمواقف المختلفة، قادرة على التفكير المرن وحتى الخيالي. يقول أليكس كاسيلنيك، رئيس مجموعة أبحاث علم البيئة السلوكية في "أكسفورد"، الذي كان رائدا في دراسة غربان كاليدونيا الجديدة، مثل "مانجو"، "لتجميع أداة مركبة، يجب أن يتوقع الطائر خصائص شيء لم يره من قبل".
في الوقت الذي تزداد فيه أهمية الذكاء الاصطناعي أكثر من أي وقت مضى ليكون موضوعا للبحث، يبحث العلماء عن أدلة من حيوانات غير بشرية حول طرق جديدة لتطوير الذكاء الاصطناعي. بدأ كاسيلينك، مثلا، العمل مع مختصي تكنولوجيا في جامعة برلين التكنولوجية لنمذجة بعض أفكاره التي استوحاها من الغربان في أجهزة الكمبيوتر والروبوتات.
يقول أونور جونتوركون، عالم الأعصاب المختص في الإدراك الحيواني في جامعة الرور في بوخوم، ألمانيا "القدرات العقلية للغرابيات "عائلة الغراب" والببغاوات متطورة ومتنوعة كتلك التي يتمتع بها القرود".
الغرابيات والببغاوات، وهما مجموعتا الطيور الأكثر ذكاء، تطابق القردة التي هي أكثر الثدييات غير البشرية ذكاء، بالمقاييس المعيارية للإدراك، بما في ذلك الذاكرة، والقدرة على العد، ومعرفة الذات، وتمييز الكلمات البسيطة، والتخطيط المسبق، وتذكر الأشياء المخفية. حتى الحمام، وهو عائلة أقل ذكاء، يمكن أن يكون أداؤه في عديد من الاختبارات بمستوى آداء الثدييات الأكثر تطورا من الناحية البيولوجية، بما في ذلك تعلم مئات الرموز المجردة.
وفقا لدورا بيرو، وهي أستاذة مساعدة في السلوك الحيواني في جامعة أكسفورد، تعمل مع الشمبانزي والطيور، لا توجد إجابة بسيطة عن السؤال: أيهما أكثر ذكاء؟ "عديد من الأنواع الاجتماعية من الطيور يظهر مستويات عالية من الذكاء، بما في ذلك القدرة على التلاعب بالآخرين، وتجنب أن تعرض نفسها للتلاعب من قبل الآخرين". مثلا، الطيور، مثل الغربان السوداء وطيور الجاي، التي تخفي الطعام، تغير سلوكها وفقا لما إذا كانت تعتقد أن هناك أشخاصا آخرين يراقبونها ويمكن أن يسرقوا ما في مخابئها.
إيرين بيبربيرج تدعم الببغاوات، وهي عالمة نفس في جامعتي برانديز وهارفارد. أظهر عملها مع الببغاوات الرمادية الإفريقية - ولا سيما أليكس Alex، الطائر الناطق الذي درسته بشكل مكثف لمدة 30 عاما – أنه نوع من الببغاوات يمكن أن يتعلم أكثر من 100 كلمة إنجليزية ويفهم معانيها بشكل واضح. ميز أليكس أشياء لم يسبق له أن رآها من قبل وفقا للونها، وملمسها، وشكلها. استطاع العد وحتى إجراء عمليات جمع بسيطة من أرقام منخفضة تصل إلى رقم ثمانية.
كان علماء الأعصاب لفترة طويلة مترددين في النظر في البراعة المعرفية للطيور لأن أدمغتها صغيرة جدا، وعادة ما يكون وزنها من خمسة جرامات إلى 20 جراما، في حين إن أدمغة القردة تراوح بين 275 جراما و500 جرام. كذلك الطيور ليس لديها قشرة دماغ، وهي منطقة في الدماغ تعتبر لدى الثدييات الأساس العصبي للإدراك.
تختلف أدمغة الطيور من الناحية التشريحية اختلافا تاما عن أدمغة الثدييات، التي انفصل عنها خط تطورها قبل 300 مليون سنة، وقد بدأ علماء البيولوجيا العصبية، مثل جونتوركون Güntürkün، في فهم كيفية عملها. يقول "يبدو أنه مثال على التطور المتوازي الذي يتقارب حول آليات مماثلة للإدراك والسلوك المعقد، على الرغم من أن التنظيم العام لدماغيهما يبدو مختلفا تماما".
أما بالنسبة إلى حجم أدمغتيهما الصغير، يشير جونتوركون إلى أن داخل أدمغة الطيور توجد مجموعة كبيرة من الخلايا العصبية أكثر بكثير من نظيراتها في الثدييات. يقول "كثافة خلاياها العصبية أكبر ست مرات من كثافة الخلايا العصبية في أدمغة البشر. ولأن الخلايا العصبية "في الطيور" أقرب إلى بعضها بعضا، فقد يكون انتقال الإشارات ومعالجتها داخل دماغ الطائر أسرع وأكثر كفاءة".
مثل هذه الكفاءة العصبية ربما تكون مسؤولة عن قدرة بعض الطيور الخفية على التواصل على الفور تقريبا عندما تحلق معا، والتأكد من أنها تحافظ على تشكيلاتها أثناء الطيران. وفي حال الطيور المهاجرة، أن تكون في نهاية المطاف في المكان الصحيح.
عندما يتعلق الأمر بتحليل الحياة العاطفية للحيوانات غير البشرية - إلى أي مدى تشعر بمشاعر مثل الحب والأسى، والفرح والحزن - لا يزال أمام العلم طريق طويلة لمعرفة ذلك. يقول توماس بونيار، عالم الأحياء في جامعة فيينا "ما نظهره من مشاعر من خلال عضلات وجهنا، يمكن للطيور أن تظهره من خلال اتجاه الرأس وحركة ريشها. ما تفعله الببغاوات من خلال ريشها أمر مدهش، تجعله متجها إلى الأعلى أو الأسفل، أو تضعطه باتجاه الرأس".
يحاول بونيار وغيره من الباحثين دراسة مشاعر الطيور من خلال الكيمياء الحيوية والوسائل الإلكترونية. أحد الأساليب هو اختبار دماء الطيور ولعابها لمعرفة التغيرات في مستويات الهرمونات المرتبطة بالضغوط والعواطف، ويشمل ذلك الميزوتوسين mesotocin، وهو هرمون في الطيور يعادل الأوكسيتوسين oxytocin، الهرمون الذي يعزز الترابط الاجتماعي في الثدييات. أسلوب آخر هو فحص أدمغة الطيور من أجل معرفة النشاط العصبي. لكن ليس من السهل استخراج عينات من سوائل جسم الطيور الحية، أو وضعها في جهاز فحص الدماغ.
في هذه الأثناء، بدأ بعض العلماء في تقديم مزاعم إدراكية لافتة للنظر لمجموعة أخرى ذات أدمغة أصغر بكثير: كالحشرات التي لديها نحو مليون خلية عصبية، مقارنة بمليارين في الببغاء و100 مليار في دماغ الإنسان. بعيدا عن كونها تعيش بشكل آلي، يبدو أن بعض الحشرات مثل النحل والنمل لديها "حياة داخلية" نشطة وربما لديها شكل من أشكال الوعي، حسبما يقول لارس شيتكا، وهو عالم بيئة سلوكي في جامعة كوين ماري في لندن.
في إحدى التجارب تعلمت مجموعة صغيرة من النحل الطنان كيفية حل لغز ما: دفع كرة صغيرة إلى مكان معين للحصول على مكافأة من السكر، من خلال مشاهدة تجارب تشرح كيفية تنفيذ العملية؛ ثم توصلت بعد ذلك إلى استراتيجية جديدة وأكثر كفاءة خاصة بها.
دراسة أخرى أظهرت أن النحل يمكن أن يمر "بحالات عاطفية من التفاؤل والتشاؤم". تعلم النحل أولا أن الطيران نحو أحد الألوان "الأزرق، مثلا" قد ينتج مكافأة من السكر، في حين إن لونا آخر "الأخضر، مثلا" لا يقدم شيئا. ثم عُرض على النحل لون وسيط "تركوازي"؛ كان أكثر احتمالا أن يجرب حظه هناك إذا تم وضعه في مزاج جيد، من خلال وضع قطرة سكر مفاجئة في طريقه إلى التجربة.
قد يبدو أمرا خياليا أن تكون عبارة "عقلك كعقل نحلة" عبارة مديح وإطراء إلى جانب عبارة "عقلك كعقل طير"، لكن يجب أن ندرك أن بعض الحشرات يمكن أن تفكر بطريقة يمكن مقارنتها على الأقل بتفكير البشر.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES