تقييم مؤشرات الأداء

|


ربما كانت مؤشرات الأداء الـ"KPI’s" من أكثر الممارسات الإدارية التي تداولها وتحدث عنها موظفو القطاع الحكومي خلال السنتين السابقتين، والقطاع الخاص كذلك، وهو سابق لـ"الحكومي" في تطبيق هذه الممارسات، إلا أن الاهتمام بها بدا متزايدا أكثر من أي وقت مضى. هناك كثير من المبادرات الحديثة على المستوى الوطني، مثل: مركز أداء، وأنظمة وإرشادات الخدمة المدنية حول إدارة الأداء، إضافة إلى البرامج الخاصة المبتكرة التي تبادر بها بعض الجهات. فكرة قياس وإدارة الأداء يتم التعامل معها باهتمام متزايد في الآونة الأخيرة، وهذه خطوة مهمة ومتطلب أساس في طريق تحسين الإنتاجية وصنع الفارق.
لكن هل الوجود المجرد لأنظمة قياس الأداء، واستخدام أدوات مثل هذه المؤشرات أو برامج متكاملة مثل بطاقات الأداء المتوازن - كافٍ لإيجاد فارق إيجابي في الأداء؟ الجواب: ليس بالضرورة، فهناك كثير من المعطيات التي يجب أن يتم استيفاؤها ليتحقق النجاح، ولكن الإيجابي في الأمر، أن انتشار هذه الممارسات، حتى لو كان من دون استيفاء متطلبات النجاح، يظل أمرا إيجابيا، فهو عنصر مكون لثقافة الأداء والإنتاجية التي كنا نفتقر إليها في السابق، ومع مرور الوقت وسهولة التعلم الذاتي، ستتم السيطرة على خلل التطبيق، وتجاوز هذه المرحلة الانتقالية نحو تحسين الأداء. رحلة تحسين الأداء لا يمكن فيها الرجوع إلى الخلف ما دامت الرحلة مستمرة.
تذكر الأبحاث أن استخدام تطبيقات إدارة الأداء يُظهِر وبشكل جلي حصول التحسن في الأداء، ولكن عند الخوض في التفاصيل، تختلف النتائج وطرق تحسينها، وتختلف الاعتقادات حول الأساليب المتنوعة لإدارة الأداء. هل الأسلوب التقليدي السنوي جيد، أم أنه غير مفيد إذ تم تصميمه في أوضاع مختلفة لم تعد موجودة؟ ومن جانب آخر، نرى من يتحدث عن إشكالات استخدام المؤشرات النوعية، وآخر عن مقدار الموضوعية عند غياب استخدام الأساليب الكمية والعلمية. في نهاية الأمر، كل منشأة لها ظروفها الخاصة، ولكن هناك مجموعة عامة من المتطلبات التي تستحق التنبه والتوقف. وإذا تمكنا من تحقيق هذه المتطلبات مع الارتباط بما تثبته التجارب الحقيقية وتؤكده الدراسات، فهذا يؤكد أننا في الطريق الصحيح في رحلة الأداء.
المتطلب الأول يرتبط بتحديد موقعنا الحالي؛ يعني في أي مرحلة من إدارة الأداء نحن اليوم، إذا كانت المنشأة بعيدة من الناحية الثقافية والمعلوماتية والإجرائية عن ممارسات إدارة الأداء، فلا بد من أن تكون هناك خطة تدريجية تصاعدية تأخذ في الحسبان هذه الخطوات الانتقالية. المتطلب الثاني، يرتبط بتسويق الفكرة جيدا داخل المنشأة، أدوات الإلزام الاعتيادية - من دون تصديق وشراء حقيقي للفكرة من الموظفين – تجعل البرنامج مكتملا في مظهره مختلا في جوهره. المتطلب الثالث، يقوم على تنسيق الترتيب الهرمي للغايات الاستراتيجية حتى المهام التفصيلية بتوازن مع الترتيب الهرمي لموارد المنشأة البشرية؛ أي أن يحدث التفاعل بنسق ملائم مع كبار الموظفين وصغارهم، حسب الجزئية الخاصة به من برنامج إدارة الأداء وما يرتبط بها من سياق وخلفية. المتطلب الرابع يرتبط بسمات المتابعة الخاصة بالأهداف؛ أي إن التفاعل مع الهدف - الشخص يكون عمليا وغير مكلف ومجهد، وهذا لا يحدث إلا بتحديد الأهداف بشكل جيد، وألا تحمل أكثر من تفسير، وأن تكون بخصائص SMART كما ذكرت في المقال السابق. المتطلب الخامس يرتبط بالأشخاص؛ إذ يكونون مؤهلين أكفاء، ولا يتفرق دمهم بين الأهداف؛ أي يتم توزيع الأهداف أو المؤشرات على الإدارات والفرق والأشخاص بشكل منطقي واضح تسهل متابعته. المتطلب السادس، إدارة المعلومات داخل المنشأة شرط أساس لإدارة الأداء، وأي قصور فيها يعني قصورا في اكتشاف أو حصر أو متابعة المؤشر، وهذا يتحول إلى قصور في إدارة البرنامج كله. تظهر المتطلبات الثلاثة الأخيرة كيف أن التسرع في تنفيذ برنامج متكامل يتحول في العادة إلى فشل ذريع؛ إذ إن تحديد الأهداف، وربطها استراتيجيا، وبناء الكفاءات القادرة على التنفيذ والمتابعة وتجهيز البيانات المطلوبة - لا يمكن في العادة إعداده في فترة قصيرة نسبيا، وقد يتطلب عدة أشهر أو سنوات.
المتطلب الأخير، أن يتم تنفيذ برنامج إدارة الأداء باعتبار الهدف الأساس، الذي يوضع من أجله، وتوضيح ذلك أثناء تصميم البرنامج وتنفيذه ومتابعته. برامج متابعة الأداء لم تصنع لعقاب أو فصل الموظفين، وهي قطعا ليست للتشجيع والتصفيق المستمر والمتكرر في نهاية كل سنة. ربما كانت في فترة سابقة تاريخيا مرتبطة بتقييم الموظفين لفلترتهم، أو ارتبطت في بعض الأماكن بإكمال إجراء روتيني لا يكترث له أحد. اليوم هي برامج شاملة، تنظر في تحقيق أفضل ما لدى القوى البشرية، وتنسيق ذلك لتحقيق استراتيجية ورؤية المنشأة التي يعمل فيها.

إنشرها