عادات تثبط تنمية الاقتصاد

|


لب الاقتصاد وتنميته في الاستغلال الأمثل لموارده، استغلال أمثل يُنتِج مزيد أعمال وأرزاق، بتوفيق الله، لكن أحد العوامل المؤثرة في جودة الاستغلال سلبا وإيجابا هو طبيعة العادات والتقاليد والموروثات الاجتماعية.
الموارد تتركز في أربعة: الوقت، والأرض، ورأس المال البشري أو العمل بمعناه الشامل، ورأس المال المادي بمختلف أشكاله. رغبات الناس في هذه الموارد بلا حدود؛ ذلك أن الله سبحانه قد زين للناس حب الدنيا، ولكن الله خلق هذه الدنيا وما فيها من موارد بحدود؛ أي إنها ليست متاحة بلا حدود، ولو كانت متاحة بلا حدود لما واجه البشر مشكلة اقتصادية أصلا. وتبعا، لما كان لجودة الاستغلال أهمية.
جودة استغلال الموارد لا تحدث هكذا من تلقاء نفسها، بل لها بعد توفيق الله أسباب وعوامل تجعل تحققها محصلة لها، لكن بذل الجهود لتحقيق ما أمكن من تلك الأسباب والعوامل لا يكفي؛ إذ لابد أن تتزامن مع جهود التحقيق جهود تعمل على نفي أو على الأقل إضعاف موانع ومعوقات جودة الاستغلال. وهذا يشبه ما عبر عنه علماء الشريعة وأصول الفقه خاصة بتحقق الأسباب والشروط وانتفاء الموانع؛ أي إن تحقق الشروط لا يكفي إذا لم يتحقق انتفاء الموانع.
مستوى الاستغلال يتأثر بعدة عوامل، منها طبيعة العادات السائدة في المجتمع، قد تساعد على حسن الاستغلال، وقد تضره، وقد تميل إلى الحياد، والتركيز هنا على ما يضر.
على سبيل المثال، الاستثمارات شكل من أشكال تشغيل الموارد الأربعة، وتعمل الاستثمارات على نمو الاقتصاد؛ وهذا يعني أن قلة الاستثمارات تعمل على إضعاف النمو. ماذا يعني ذلك في موضوعنا؟ أعني التقاليد. هناك عوامل اجتماعية وتقاليد تؤدي إلى الإضرار بجودة الاستثمارات، ومن ثم تقود إلى تثبيط وتضرر الاقتصاد، وهذا من حيث الأصل والمبدأ. وقلت من حيث الأصل والمبدأ، حتى لا يُساء الفهم، ويُتوهَّم أن كل تثبيط مطلوب مكافحته بغض النظر عن طبيعته وتأثيراته.
تطبيقا للكلام السابق، لنأخذ على سبيل المثال مورد الوقت. إن من عوامل وأسباب نجاح الاستثمار جودة استغلال الوقت، فلا شك أن الوقت مورد أساس، والوقت محدد، فأعمارنا وهذه الدنيا لهما نهاية؛ والنتيجة أن حسن استغلال مورد الوقت يرفع ويزيد النمو الاقتصادي ومكوناته.
مع الأسف، لدينا عادات تدل على ضعف الاهتمام بالوقت رغم محدوديته. لنأخذ على سبيل المثال طريقة إدارة وتنظيم وقت المناسبات الاجتماعية كحفلات الزواج. تعودنا في بطاقات الدعوة لحضور حفلات الزواج، كتابةَ دعوة بعد صلاة العشاء دون تدقيق في ساعة تقديم الطعام مثلا. قد يصلح ذلك لمجتمع بسيط، لكنه لا يصلح أسلوب حياة لمجتمع يسعى جاهدا إلى بناء اقتصاد قوي متطور، ومثال آخر انتشار ضعف الالتزام بالمواعيد. وأذكر بالمناسبة أنه قُبيل سفر المبتعثين من جيلي للدراسة في الغرب كأمريكا، كنا ننبهر بما يقال عن قوة الالتزام بالمواعيد، فهي طبيعة المجتمع هناك.
ومن الأمثلة سيادة الثقافة المشجعة بذاتها على استمرار التخلف الاقتصادي ومن علامات هذه الثقافة مدح الاتكالية، وتدني قيمة الاجتهاد والعمل، وتقليل أهمية الحافز لكسب المال، ورفع قيمة خصال أخرى، وكلها عوامل داخلية.
والاتكالية تعني تفشي الشكوى من العمل والجد وهناك مظاهر على هذا التفشي، وهذا مثال حديث؛ حيث تناقل كثرة من الناس تعليقات بما يشبه التعزية على انتهاء إجازة منتصف النصف الدراسي الثاني.
مثال آخر كثرة التغني بأمجاد الماضي، وأيضا فوضى قيادة السيارات في بلادنا، ونزعة التبرير وضعف النقد الذاتي. على سبيل المثال، يلاحظ انخفاض نزعة الطالب الياباني "ومثله الصيني" في لوم الآخرين على إخفاقاته في الدراسة. في المقابل، لوحظ أن الفرد العربي لديه نزعة شديدة إلى التبرير، وتحميل الآخرين مسؤولية ما يعانيه من مشكلات، كما أن لديه ميلا إلى تنزيه النفس.
باختصار تتطلب التنمية الاقتصادية قيما وعادات تنسجم أو على الأقل لا تعاكس متطلبات تحقيق التنمية.
السؤال التالي: كيف نحقق ذلك؟ موضوع طويل، ولكني أذكر نقاطا.
أولا: واجب الفرد أن يتعود ويعود من تحت رعايته ألا يستسلم لتقاليد وعادات يرى داخل نفسه أنها تضعف قيمة الاجتهاد والعمل وحسن استغلال الموارد، وعليه ألا يتعود التبرير وتركيز رمي العيب على الآخرين. لا يقبل الله سبحانه في الآخرة الاحتجاج القائم على تبرير النفس. يقول سبحانه: "وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم" الآية.
ثانيا: التعليم، وهو موضوع طويل، وقد أولته "الرؤية" اهتماما خاصا.
ثالثا: استغلال المشاريع الكبرى التي تخطط الدولة لتنفيذها، استغلالها بشكل يسهم في تغيير سلوكيات غير حضارية. وسبق أن كتبت مقالا عن هذا عنوانه: "كيف نجعل القدية أداة لتغيير بعض السلوكيات"، منشور في عدد "الاقتصادية" بتاريخ 30 نيسان (أبريل) 2018.
وبالله التوفيق.

إنشرها