وقفة تأمل بين الفساد الروحي والسلوكي

|


لا شك أن السلوك نتاج ما يختلج في النفس من نوازع ومحفزات، وما تحكمها من قيم دينية وعادات وتقاليد اجتماعية، واحتياجات عاطفية ومادية، إلى جانب الوسط الاجتماعي بما فيه من شبكات وعلاقات اجتماعية مع الآخرين. ومع الاعتراف بصعوبة التنبؤ بسلوك الإنسان، فإن هذه الأمور تقود بشكل مباشر أو غير مباشر إلى ممارسة فعل أو سلوك معين. وهناك مؤشرات تعطي دلائل على هذا الميل العام لدى الإنسان ومدى قابليته لارتكاب فعل ما، بصرف النظر عن طبيعته الإيجابية أو السلبية.
مما أثار الكتابة في الموضوع اطلاعي على بعض المقولات الموجزة التي يتم تداولها في وسائل التواصل الاجتماعي دون إشارة لكاتبها، وهي بحق تستحق النظر والتأمل، ومنها -بتصرف-: "إذا كنت في فندق أو مطعم، ووضعت كمية من السكر والحليب في الشاي أكثر مما تفعل في منزلك، فإن لديك استعدادا للفساد". بالفعل هناك عبث بالمرافق العامة من قبل البعض واستنزاف لما توفره الحكومة، ولعل ما نشاهد في المنتزهات العامة دليل واضح على ذلك، ولكن السؤال المهم، إذا أخذنا هذا الأمر مأخذ الجد، واعتبرناه مؤشرا، فإننا للأسف سنكتشف أن نسبة كبيرة من المجتمع لديها الاستعداد للفساد، أليس كذلك؟ أمر مثير ومقلق، فما الأسباب التي جعلت نسبة كبيرة من الناس يميلون لارتكاب مثل هذا السلوك؟! وهل له علاقة بالالتزام الحقيقي بالتعاليم والقيم الدينية؟
ومقولة أخرى "إذا كنت تستخدم مزيدا من المناديل الورقية أو الصابون أو العطور، في مطعم أو مكان عام أكثر مما تفعل في منزلك، فإن لديك ميلا للاختلاس إن توافرت الفرصة". شاهدت بأم عيني إساءة استغلال المناديل الورقية واستخدام كميات تفوق ثلاثة أضعاف ما يستخدم في المنازل. ويبرز السؤال المفزع في الذهن: هل جميع من يفعل ذلك لديه الميل للاختلاس إن وجد الفرصة؟ أرجو ألا يكون ذلك صحيحا، على الرغم من أنه لا يخلو من المنطق.
ومقولة ثالثة لا تقل أهمية تقول: "إذا كنت تتخطى الناس عادة في الطوابير، أو صفوف السيارات، فإن لديك إمكانية للتسلق على أكتاف غيرك للوصول إلى غايات ومصالح شخصية". الإنسان من هذه الفئة لا يهتم بما يحدث للآخرين إذا تمكن من تحقيق هدفه ومراده. ولا شك أن كثرة أفراد هذه الفئة في مجتمعنا تعزى إلى إخفاق التربية الأسرية من جهة، وفشل التعليم في غرس القيم النبيلة لدى الأطفال والناشئة من جهة أخرى، وهذا الأمر في غاية الأهمية، وينبغي أن يؤخذ بأهمية كبيرة إذا أردنا للمجتمع أن يتقدم، ويبلغ فضاءات الرقي الحضاري.
كما أنك "إذا اعتبرت أن ما تلتقطه من الشارع من مال غيرك هو حقك، فإن لديك بوادر لصوصية وميلا للسرقة". لا أدري مدى شيوع هذا السلوك في مجتمعنا، ولكني أسمع أن كثيرين فقدوا أجهزة جوالاتهم أو أشياءهم الأخرى دون رجعة! في الوقت نفسه، أسمع عن أناس يتسمون بالأمانة والتعفف عن أموال الآخرين وأغراضهم. وفي السياق نفسه، ماذا عن قطع الأشجار البرية والاستيلاء على الأراضي دون وجه حق، هل تعكس الميل للصوصية أيضا؟
وأخيرا، هذه السلوكيات تعكس الحاجة إلى النظر لدور التعليم وتقييم فاعليته في غرس القيم النبيلة، كذلك دور المسجد وعلماء الشريعة، فالحفاظ على الممتلكات العامة واحترام الآخرين وممتلكاتهم وأوقاتهم دلائل حقيقية على الرقي والتقدم الحضاري بعيدا عن التباهي بالمباني والمنشآت أو التعالي على الآخرين دون رصيد حضاري كبير.

إنشرها