شلل إستونيا

|


شهدت إستونيا عام 2007 واحدة من أولى وأعنف الهجمات الإلكترونية في التاريخ بعد خلاف مع روسيا حول مشروع لنقل تمثال يعود إلى العهد السوفييتي. أدت هذه الهجمات إلى شل معظم المواقع الإلكترونية الحكومية وشبه الحكومية في البلاد وكذلك المرافق العامة والصحف والمصارف.
تعاظمت الخسائر في إستونيا وخسرت الدولة المليارات والثقة داخليا وخارجيا. غادرها بعض مواطنيها. وهاجرت رؤوس الأموال. وعاشت الدولة التي تقع في بحر البلطيق في شمال أوروبا معزولة محاصرة بالألم والهزائم.
كان أمامها خياران، إما أن تنكفئ على ذاتها وإما أن تنطلق لتستعيد عافيتها. اختارت الخيار الثاني. أعدت استراتيجية متكاملة وشاملة وزعت فيها المسؤوليات والأدوار على الجهات والأجهزة الحكومية المختلفة وفق هيكل تنظيمي وحوكمة فعالة.
قامت ببناء نظام قوي ودائم التطور للتعرف على الهجمات وتحذير الجهات المعنية. وقادت حملات توعوية. وابتكرت برامج منوعة لرفع الوعي بالأمن السيبراني. أنشأت "رابطة الحماية السيبرانية" التي تهدف إلى تخصيص المواطن الإستوني جزءا من وقته لدعم البرامج الأمنية السيبرانية. حولت الرابطة الشعب الإستوني إلى شعب شغوف بأمن المعلومات والحروب الإلكترونية.
أسهمت هذه الجهود الحكومية والخاصة في تطوير بنية تحتية صلبة تتيح قيام حكومة رقمية حقيقية تبدأ برقم وطني إلكتروني وصولا إلى سلسلة محكمة الإغلاق من الخدمات الرقمية. في عام 2014 أطلقت إستونيا خدمة فريدة من نوعها في العالم تدعى "الإقامة الرقمية" تسمح لأي شخص حول العالم بالتحول إلى "مقيم رقمي" يمكنه المشاركة في الاقتصادين المحلي والأوروبي دون أن يضطر حتى للسفر إلى إستونيا على الإطلاق من خلال مميزات محددة تتيح له فرصة الاستفادة من برامج تدريبية ودراسات بحثية وغيرهما. ساعدت هذه الخطوة إستونيا على الاستفادة من العقول والخبرات العالمية على نحو ذكي ولافت بأقل التكاليف.
تعرضت إستونيا لكارثة حقيقية، الكل اعتقد أنها ستنهيها، لكن في تصنيف الأمن السيبراني الدولي الذي صدر في أيلول (سبتمبر) 2018 تتصدر إستونيا دول العالم في مجال الأمن السيبراني بلا منافسة. لقد باتت أخيرا ملاذ الباحثين والمتخصصين والموهوبين في هذا المجال المتقدم.
الكوارث والأزمات سواء أصابت الدول أو الأفراد فهي فرصة للتطور والتقدم، تمنحك وعيا أكبر وكفاءة أعظم لمواجهة التحديات المستقبلية. فالأزمة يا صديقي لا تكسرك بل تقويك إذا أردت ذلك.

إنشرها