الاقتصاد العالمي .. والتحديات الجسيمة «2 من 2»

|


تُظهِر أبحاث جديدة أجراها البنك الدولي أن الشركات غير الرسمية تحقق ربع الإنتاجية التي تحققها شركات القطاع الرسمي. وفي الواقع لا تتجاوز إنتاجية الشركات العاملة في القطاع الرسمي، التي تواجه منافسة غير رسمية، ثلاثة أرباع إنتاجية الشركات التي لا تواجه هذه المنافسة. ويزيد أجر العمال في الاقتصاد الرسمي 19 في المائة في المتوسط عمّا يكسبه من يعملون في الاقتصاد غير الرسمي. وتحقق البلدان التي لديها أكبر القطاعات غير الرسمية إيرادات حكومية أقل مما تحققه البلدان التي لديها أقل مستويات من القطاعات غير الرسمية بنسبة تراوح بين خمس وعشر نقاط مئوية من إجمالي الناتج المحلي.
والحقيقة أنه يمكن لصناع السياسات أن يضعوا استراتيجيات تنمية شاملة من شأنها كفائدة غير مباشرة أن تحد من الطابع غير الرسمي لأنشطة الأعمال. إضافة إلى ذلك، يجب عليهم الانتباه إلى تجنب دفع العمال عن غير قصد إلى الانتقال إلى العمل في القطاع غير الرسمي.
ومن شأن وجود مزيج صحيح من السياسات أن يحقق التوازن بين الإصلاحات، مثل تحسين الإدارة الضريبية، وزيادة مرونة سوق العمل، وتعزيز تنفيذ اللوائح التنظيمية، من خلال تحسين توافر سلع وخدمات النفع العام، إلى جانب توفير أنظمة ضمان اجتماعي أكثر قوة.
قد يتطلب السعي إلى حماية السكان الضعفاء من ارتفاع أسعار الغذاء تحولا فيما تؤكده السياسات بعيدا عن السياسات التجارية.
وقد سبق للسلطات أن تدخلت في الماضي بتدابير تجارية لتخفيف أثر التقلبات في أسعار السلع الغذائية الأساسية، بما في ذلك الأرز والقمح والذرة.
ولكن في حين يمكن للبلدان المختلفة النجاح كلٌّ على حدة على المدى القصير في حماية الأسواق المحلية من تقلبات الأسعار، فإن العمل الجماعي حول العالم يمكن أن يؤدي إلى تفاقم التقلبات في أسعار الغذاء، ودفعها إلى مزيد من الارتفاع، ما يلحق الضرر بمن لديهم أدنى هامش للأمن الغذائي. وقد تكون السياسات التي نُفذت في 2010-2011 مسؤولة عن 40 في المائة من الزيادة التي طرأت على الأسعار العالمية للقمح، ورفع زيادة سعر الذرة. وتشير التقديرات إلى أن القفزة التي شهدتها أسعار الغذاء في تلك الفترة دفعت 8.3 مليون شخص إلى وهدة الفقر.
وفي حين انخفضت أسعار الغذاء منذ بلوغها أقصى ارتفاع لها في مطلع العقد، زاد معدل الجوع وانعدام الأمن الغذائي في العالم بين عامي 2014 و2017. وارتفع عدد من يعانون سوء التغذية 5 في المائة إلى 821 مليون شخص خلال تلك الفترة كما اعترفت مجموعة العشرين أخيرا بالتحديات الماثلة أمام الأمن الغذائي بوصفها أولوية ملحة.
ﻋﻼوة على ذﻟك، قد يتكرر حدوث زيادات كبيرة ﻓﻲ أسعار الغذاء على غرار الزيادات التي حدثت ﻓﻲ 2010-2011 إذ تزيد التغيرات المناخية الحادة من احتمال تعطيل إنتاج اﻟﻐذاء.
وبدلا من تنفيذ إجراءات تدخلية، مثل حظر التصدير، أو تخفيض رسوم الاستيراد، فإن الأساليب الفعالة لتخفيف أثر ارتفاع أسعار المواد الغذائية تشمل وجود شبكات أمان أفضل مثل التحويلات النقدية والغذائية، وبرامج التغذية المدرسية، وبرامج الأشغال العامة. ومن الأهمية بمكان أن تكون لدى مختلف البلدان استراتيجية لمواجهة الأزمات الغذائية، وتوفير الموارد الكافية لهذه البرامج.
حتى مع سعي صناع السياسات وأنصارهم إلى الحفاظ على وتيرة النمو وتسريعها في فترة من تراجع الزخم، فإنه لا يمكنهم أن يسلّموا جدلا بسمة أدت دورا مهما في تحفيز النشاط في السنوات الأخيرة، وهي وجود فترة طويلة من التضخم المنخفض والمستقر.
والحقيقة أن التضخم المنخفض والمستقر يرتبط بزيادة الناتج، واستقرار عملية التوظيف، وارتفاع معدل النمو، وتحقيق نتائج أفضل للتنمية. على العكس، يؤدي التضخم المرتفع إلى تآكل النمو، من خلال إضعاف ثقة المستثمرين، وتقويض الحوافز على الادخار. وعلى الرغم من وجود بعض الاستثناءات المهمة، حققت الأسواق الناشئة والبلدان النامية إنجازا ملحوظا، يتمثل في خفض التضخم من أكثر من 9 في المائة في حقبة السبعينيات إلى نحو 3.5 في المائة عام 2018.
على الرغم من ذلك، فإن الإبقاء على معدل التضخم منخفضا أمر غير مضمون، وقد يتضافر عدد من العوامل لزيادة التضخم في السنوات المقبلة. وبعد مضي عشر سنوات على الأزمة المالية العالمية، يعمل عديد من البلدان بكامل طاقة التوظيف أو ما يقرب من ذلك. ويمكن أن تتراجع وتيرة التكامل الاقتصادي العالمي أو ينعكس اتجاهها. وقد يتآكل استقلال البنوك المركزية وشفافيتها اللذان تحققا بصعوبة، وذلك في مواجهة الضغوط من أجل تمويل الحكومات. ويمكن أن تؤدي الديون الآخذة في الازدياد إلى إضعاف الالتزام بالنظم المالية والنقدية القوية.
وإذا ارتفعت الضغوط التضخمية العالمية، يمكن لصناع السياسات حماية مناصريهم من خلال مضاعفة دعمهم مرة أخرى لاستقلال البنوك المركزية، وإنشاء أطر مالية لضمان القدرة على تحمل الديون، والحفاظ على احتياطيات كافية لتحمّل فترة الركود الاقتصادي.
وحيث أصبحت التوقعات الاقتصادية العالمية قاتمة، ستتطلب حتمية استمرار الزخم الاقتصادي تحقيق الاستفادة القصوى من فرص النمو، وتجنب المخاطر، وبناء احتياطيات لمواجهة الصدمات المحتملة. يمكن الحصول على إرشادات توجيهية في بيئة تتزايد فيها التحديات من دروس الماضي فيما يتعلق بالديون، والثقة بالمؤسسات العامة، وتحقيق الأمن الغذائي، واستقرار الأسعار.

إنشرها