المصارف والنظام المالي العالمي

|


لقد أثبتت التجارب الأخيرة للجهود العقيمة الرامية إلى التعامل مع القبضة الضخمة التي يمسك بها المصرفيون والمصارف بخناق الاقتصاد العالمي. ويظل النظام المالي العالمي مشوها وخطيرا.
منذ ثمانينيات القرن الـ20، أصبحت "قيمة المساهمين" على نحو متزايد محل تركيز واهتمام حوكمة الشركات. يتلقى مديرو وأعضاء مجالس الشركات غالبا تعويضات في صورة أسهم، وهو ما يمنحهم حقوق ملكية الأسهم، وبالتالي ينشئ حافزا قويا لتعظيم القيمة السوقية لأسهم شركاتهم،
ولكن الإجراءات التي اتخذت باسم قيمة الأسهم لدى المساهمين لا تفيد غالبا إلا هؤلاء الذين ترتبط ثرواتهم بشكل وثيق بأرباح الشركات وقد تكون في واقع الأمر ضارة بعديد من حاملي الأسهم. وعلى الرغم من مزاعمهم بأنهم يسعون إلى تعظيم القيمة لمصلحة المساهمين، فإن تصرفات كبار المديرين بشكل خاص كثيرا ما تعكس مصالحهم الخاصة فقط، وليس مصالح المساهمين الذين يملكون غالبا الغالبية العظمى من الأسهم. وبوسعنا أن نرى هذا التناقض بوضوح في القطاع المصرفي. فقبل ذلك، كانت المصارف تتمتع بعائدات مرتفعة وأسعار أسهم ارتفعت إلى عنان السماء، ولكن المديونية المفرطة والخسائر الناجمة عن الاستثمارات المحفوفة بالمخاطر أدتا إلى اندلاع الأزمة المالية العالمية وإفلاس، أو شبه إفلاس، عديد من المؤسسات المالية الكبرى.
ولجأت المصارف المثقلة بديون ضخمة إلى الحد من الإقراض، وعلى الرغم من التدخل الكبير من قِبَل الحكومات والمصارف المركزية، فقد أدت الأزمة إلى دفع الاقتصاد العالمي إلى التباطؤ. ونتيجة لهذا، تحمل المساهمون منذ عام 2008 خسائر كبيرة في استثماراتهم في المصارف. وتسببت الأزمة إلى جانب الانحدار الاقتصادي المطول الذي أعقبها في تكبيد المساهمين المتنوعين أيضا خسائر في استثماراتهم.
فضلا عن ذلك، فإن عديدا من حاملي أسهم المصارف عانوا انقطاع الإقراض، سواء بشكل مباشر أو عن طريق شركاتهم أو أصحاب أعمالهم. حتى إن بعضهم خسروا وظائفهم، وجنبا إلى جنب مع غيرهم من دافعي الضرائب، تحملوا بعض تكاليف عمليات الإنقاذ.
ولكن على الرغم من الخسائر الضخمة على حيازاتهم أثناء الفترة 2007-2008، فإن أوضاع كبار المصرفيين كانت أفضل إلى حد كبير من أوضاع أغلب المساهمين في مصارفهم أثناء الفترة 2000-2008. حتى إن المسؤولين التنفيذيين في المصارف الاستثمارية المفلسة، مثل: بير شتيرنز، وليمان براذرز، خرجوا وهم يحملون معهم مئات الملايين من الدولارات في صورة تعويضات، في حين كان وضع المساهمين، الذين تلقوا بعض الأرباح على الطريق، أسوأ كثيرا، ناهيك عن خسائرهم الأخرى المرتبطة بالأزمة. ولحماية مصالحهم، مارس المصرفيون الضغوط بلا هوادة ضد التنظيمات التي كانت ستلزمهم بالاعتماد بدرجة أقل على الاقتراض، وزيادة الاعتماد على الأرباح المحتفظ بها أو الأسهم الجديدة لتمويل عمليات الإقراض والاستثمار، وهم يستشهدون بضرورة تحقيق عوائد مرتفعة لمصلحة المساهمين، ويزعمون ضمنا أن القيود التنظيمية الأكثر صرامة تعمل على تقويض مصالح المساهمين.
ولكن المصارف الأكثر أمانا والأقل مديونية تتمتع بقدرة أعظم على الاستمرار في الإقراض دون التعرض للإجهاد أو الاحتياج إلى الدعم. ونتيجة لهذا، فإنها أقل ميلا إلى زعزعة استقرار النظام المالي العالمي، أو إلحاق الأذى بأغلب المساهمين وعامة الناس. ويزعم المصرفيون أيضا أن متطلبات حقوق الملكية للمساهمين تقيد الائتمان، وتعرقل النمو الاقتصادي، ولكن حججهم معيبة ومضللة؛ فهم على سبيل المثال يستخدمون العائد على حقوق المساهمين باعتباره الإجراء الأساس لتحقيق الربحية، ولكنهم يهملون التمييز بين العائد على حقوق المساهمين وقيمة المساهمين. والواقع أن المصرفيين في ظل هذا السعي الحثيث إلى تحقيق عوائد أعلى، قد يعرضون حاملي الأسهم إلى مخاطر هائلة دون تعويضهم بالنحو الكافي. ويهمل المصرفيون الاعتراف بالدور الذي تؤديه الضمانات والإعانات الحكومية في جعل الاقتراض بأحجام كبيرة ممكنا وجذابا. وخلافا لمزاعم المصرفيين، فإن زيادة متطلبات حقوق الملكية إلى حد كبير، وبالتالي حماية استقرار النظام المالي تصب في المصلحة العامة، بما في ذلك مصالح أغلب المساهمين. وفي المقابل، فإن الحفاظ على الوضع الراهن، أو تطبيق تنظيمات غير كافية، يسمح للمصرفيين بالاستمرار في التربح على حساب الآخرين. لا يستطيع صغار المساهمين أن يؤثروا بسهولة في قرارات المصارف، خاصة فيما يتصل بالقضايا المعقدة المرتبطة بالمخاطر، ولكن مديري مجالس المصارف الذين يمارسون سيطرة مطلقة، غير ملزمين قانونا بوضع التأثير الأكبر لتصرفاتهم في الآخرين في الحسبان، بل إن منظورهم الضيق، الذي يميل إلى التزامن مع تفضيلات المسؤولين التنفيذيين ولو على حساب المساهمين الآخرين، يملي الكيفية التي يتخذون بها قراراتهم. حتى من وجهة النظر الضيقة للمصارف، فإن متطلبات حقوق الملكية الأعلى قد تكون تكاليفها أقل من تنظيمات أخرى مقترحة. ومثل هذه المتطلبات كفيلة بالحد من احتمالات اللجوء إلى المصارف القوية لتمويل حل المؤسسات المفلسة، "لا شك أن هذه الاعتبارات تصبح أقل أهمية إذا توقع المصرفيون نجاحهم في منع كل القيود التنظيمية الرامية إلى الحد من الإفراط في خوض المجازفات، ومنع إنقاذهم وقت الأزمات".
ومن واقع الوضع الراهن، يواصل المصرفيون الاستفادة بشكل كامل من الجانب الإيجابي من استثماراتهم، في حين يتقاسمون الجانب السلبي مع الدائنين ودافعي الضرائب، وفي بعض الأحيان مع المساهمين. وعلى الرغم من إحراز بعض التقدم في تحسين التنظيمات وأساليب فرضها، فإن جماعات الضغط في هذه الصناعة نجحت إلى حد كبير في تأخير الإصلاحات الضرورية المطلوبة؛ لضمان الاستقرار المالي العالمي. ذكرت بعض التقارير أن جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لمصرف جيه بي مورجان تشيس، أبلغ ابنته بأن أزمة مالية "تقع كل خمس سنوات". وفي الشهر الماضي، دفع المصرف 1.1 مليار دولار أرباحا، الأمر الذي أدى إلى الحد من قدرته على استيعاب الخسائر في استثماراته مستقبلا. وما لم يعمل صناع القرار السياسي والجهات التنظيمية على تعزيز جهودهما الإصلاحية، فإن دافعي الضرائب والمساهمين وليس المصرفيون من أمثال ديمون هم الذين سيعانون العواقب التي قد تترتب على الأزمة التالية أيضا.

خاص بـ"الاقتصادية"
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت

إنشرها