تخطيط فبراير وتنفيذ رمضان

|


تجري العادة في معظم الشركات على تقييم أداء السنة بمجرد نهايتها، ويمتد إتمام هذه المرحلة الإدارية المهمة إلى كانون الثاني (يناير) أو شباط (فبراير) من السنة التالية، وربما بعد ذلك بكثير. والخطوة المنطقية التي تلي ذلك هي وضع الأهداف للسنة الجديدة، التي غالبا ما تكون متوافقة مع الاستراتيجية والموازنة وظروف العمل وفرصه. ولكن ما يحدث عادة هو مراجعة متأخرة، وعملية ترتيب متأخرة جدا، لا تنتهي وتثبت إلا بنهاية الربع الأول من السنة الجديدة، ناهيك عن افتقار العملية نفسها إلى أساسيات التخطيط والمتابعة، ما يصنع نتائج عقيمة غير مؤثرة، ويفتح لنا مدخلا نشطا للتعارضات والاعتراضات وعلامات الاستفهام والتعجب.
تخيل كيف يكون تقييم أداء الموظف عادلا ومنصفا إذا كانت أهداف المنشأة تحدد متأخرة، وتُفصّل على الورق فقط، وتتعارض مع كثير من الوقائع والظروف، ولم يتم الاستعداد لها على المستوى الشخصي، ولا تتناغم مع النتائج السابقة للمنشأة.
من مسببات النشاز بين عمليتي الاستهداف "وضع الأهداف" والتهديف "تنفيذ الأهداف"، تجاهل الأجندة الاجتماعية لموسم العمل. في هذه السنوات - على سبيل المثال - يتصف شهر رمضان، وهو موسم يختلف عن غيره بكثير من الخصائص. كذلك، يأتي من بعده كل من إجازة الصيف وموسم الحج. هناك من يعتبر الربع الثالث للسنة عنق الزجاجة "ومرحلة العمل الحقيقي"، والربع الأخير مرحلة الإصلاحات والترقيع، ولكن عند التخطيط الجيد والتنفيذ المدروس يتم توزيع العمل بتوازن طوال العام حسب ظروف العمل الحقيقية، وإلا فمن يقوم بالتخطيط مراوغ ومخادع، فهو يملك وقتا لا يستثمره في التنفيذ، وربما يضغط نفسه في فترة أخرى على حساب الجودة وعلى حساب الآخرين. تقوم جودة التخطيط والتنفيذ على ثلاثة مبادئ رئيسة: الأول، الفكر التخطيطي الجيد الذي يحترم التخطيط، ويتعامل معه بجدية. الثاني، أسلوب وضع الأهداف. الثالث، أسلوب تنفيذ ومتابعة الأهداف.
عندما نتحدث عن احترام التخطيط، فنحن نتحدث عما هو أكثر من مجرد تعبئة النماذج. عن جدية في مواءمة البرامج والمبادرات مع عملية وضع الأهداف والخطط، وهذا يعني أن لا تعامل مع التخطيط كمتطلب إداري دوري سنوي، تجمع فيه المستندات في تقارير مختصرة، تتم الموافقة عليها، ثم توضع في الأدراج. التخطيط يعني تحديث الخطط بالظروف الجديدة، ومشاركة أصحاب الشأن في المواءمة والترتيب، والربط بين الاستراتيجيات والتوقعات من أصحاب المصلحة وبين الأفعال والجهود على أرض الواقع. يُبنى التخطيط الموضوعي على بحث وجمع دقيق للمعلومات، وصراحة وشفافية، وفهم للماضي، وواقعية عند التعامل مع المستقبل.
أما مرحلة الاستهداف فهي مرحلة مهمة، ما بُني على باطل فهو باطل. لا يود أحد أن يضيع وقته في التخطيط بطريقة خاطئة، ثم يتحدث عن خطط فاشلة، وينفذ أعمالا نتائجها فاشلة. غني عن الذكر سمات الأهداف الذكية SMART، أو أن تكون الأهداف: محددة، قابلة للقياس، قابلة للتحقق، واقعية وملائمة، ولها إطار زمني. ولكن تقتضي أيضا هذه المرحلة المهمة أن تكون البيئة ملائمة للتخطيط ومحفزة للنجاح؛ وهذا يعني أن تكون الأهداف على تناسق مع الموازنة المالية؛ إذ إن أي تعارض بين الموارد المالية والأهداف يعني الفشل. ومن ذلك أيضا أن تكون الأهداف مشتركة بين أعضاء الفريق، وهذا يعني الشفافية الكاملة والتنسيق المستمر، فليس أسوأ من أن تكون مندفعا في اتجاه محدد، ويبني الآخرون لك المطبات، نعم هي تحديات طبيعية في مكان العمل، لكن تريدها أن تحدث كاستثناء مؤقت ونادر، وليس جزءا من الروتين وسمة من سمات العمل.
من المهم جدا أن تكون الأهداف قابلة للتسويق داخليا أمام نوعين من الموظفين: مديريك، ومرؤوسيك، فليس أسوأ من فقدان دعم المديرين، وعناية بقية الموظفين. كذلك وكما يجب أن تكون الأهداف واقعية وملائمة، لا يمنع أن يكون هناك هدف أو هدفان بسقف أعلى من العادة، ببعض التحدي الذي يفتح الباب للإبداع والابتكار، واستعراض التميز، وتحفيز المنافسة الداخلية. تعيد مرحلة الاستهداف ترتيب الأولويات الحرجة، وتستبعد الأمور الملحة الأقل أهمية، وتعتبر مرحلة تصميم خريطة الطريق الأهم في مكان العمل، ولا توازيها في الأهمية إلا مرحلة متابعة وتنفيذ العمل، وهذه يكون الحديث عنها بإذن الله في مقال لاحق.

إنشرها