المنافع الصحية تدعم سياسات التصدي للتلوث

|


تقدر منظمة الصحة العالمية أن التلوث والتغير المناخي يتسبب في واحدة من كل ثماني وفيات حول العالم، إضافة إلى ذلك يحملان رفاهية واقتصاد العالم تكاليف باهظة. وتفوق التكاليف الحالية للتلوث والتغير المناخي السلبية على رفاهية الإنسانية خمسة تريليونات سنويا. ومع ازدياد انبعاثات الغازات الدفيئة وتراكمها في الأجواء والمحيطات، تتصاعد التكاليف، حيث يعتقد حاليا بتضاعفها مقارنة بمستوياتها في عام 1990. وتشكل الخسائر الصحية الناجمة عن انبعاثات الغازات الدفيئة في أكثر من 15 بلدا مسؤول عنها نحو 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لتلك البلدان. وهو ما يعني أن هناك نزيفا مستمرا للموارد يتصاعد مع مرور الوقت بسبب التلوث والتغير المناخي. ولذلك، يؤيد المختصون ضرورة تضمين تكاليف الآثار الصحية السلبية والمنافع الإيجابية للتلوث والتغير المناخي في التخطيط الاقتصادي ودراسات الجدوى الاقتصادية. وتشير كثير من الدراسات إلى المنافع الكثيرة التي تجنيها المجتمعات والإنسانية بوجه عام من سياسات التصدي للتلوث والتغير المناخي، خصوصا في المجالات الصحية.
يمكن تقدير منافع سياسات التصدي للتلوث والتغير المناخي من خلال تقدير عدد الأرواح المنقذة، ومنافع الهواء والبيئة النظيفة الصحية لعموم المجتمع الناتجة عن تلك السياسات. لهذا، ينبغي توعية المجتمعات حول قضايا التلوث والتغير المناخي وجمع ونشر وإصدار الدراسات والمعلومات عن أوضاع البيئة والتلوث والتغير المناخي وتوفيرها قدر المستطاع. ويستحسن التركيز على منافع سياسات حماية البيئة والأضرار المترتبة عن أنشطة التلوث والتغير المناخي، وذلك من أجل حشد التأييد لسياسات التصدي وتخفيف آثارهما وتبرير الإنفاق عليهما. ويرى كثير من المنظمات الدولية وخبراء المناخ والتلوث أن منافع سياسات التصدي لانبعاثات الغازات الدفيئة والتلوث بشكل عام تفوق التكاليف، ولهذا فهي مبررة ونافعة للمجتمعات، خصوصا في الدول الأكثر تضررا في البيئة، كالصين والهند.
تلعب الصحة دورا محوريا في تبرير سياسات التصدي للتلوث والتغير المناخي، وتتركز السياسات الضرورية لمجابهة مخاطر وآثار التلوث والتغير المناخي على كفاءة استخدام الموارد، والاستثمار في البنية الأساسية الداعمة لخفض استهلاك الكربون، وتطوير التقنية المخفضة لاستهلاك الكربون. ويعتقد كثير من المختصين أن السياسات الحالية في معظم بلدان العالم لا تشجع بما فيه الكفاية على تطوير واستخدام تقنيات خفض التلوث والتغير المناخي، حيث لا يتحمل منتجو السلع والخدمات المرتبطة كافة تكاليف انبعاث هذه الغازات. في المقابل، لا توجد حوافز كافية لمنتجي السلع والخدمات المخفضة لانبعاث الغازات الدفيئة، وهذا يرفع أهمية إعادة النظر في السياسات القائمة ومراجعتها لتتواءم مع متطلبات خفض الانبعاثات. ولا تحظى سياسات وتكاليف التصدي للتلوث والتغير المناخي عادة بكثير من الشعبية والحماس السياسي، لتكاليفها المرتفعة وطول الفترة اللازمة للحصول على منافعها، وهو ما يتطلب جهودا مضاعفة من داعمي تلك السياسات وإبراز المنافع الصحية والبيئية التي ستجنيها المجتمعات من خفض انبعاث وتركز الغازات الدفيئة، الذي سيسهم أيضا في خفض النفقات الصحية التي تتحملها الحكومات، ما سيمكن من إنفاقها في منافع اجتماعية أخرى. وتشير مصادر صندوق النقد الدولي إلى أن تكاليف الرعاية الصحية الناتجة عن التلوث والتغير المناخي تمثل نصف تكاليف آثارهما السلبية في المستوى العالمي. ويرى الخبراء أن وضع أسعار لانبعاثات الكربون سيسهم بشكل واضح في خفض الوفيات بسبب التلوث والتغير المناخي، كما سيخفض تكاليف الرعاية الصحية.
ويتطلب تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في قطاعات خفض استخدام الكربون تبني سياسات معينة لتحميل المسؤولين عن الانبعاثات التكاليف وتشجيع مخفضي الانبعاثات على استخدام وتطوير التقنيات المناسبة. وللقيام بتلك المهمة يمكن استخدام سياسات تسعير الكربون لإجبار المسؤولين عن الانبعاثات على تحمل تكاليفها وتقديم الدعم لمستخدمي ومطوري خفض الانبعاثات. ويؤيد عديد من الدراسات فرض ضرائب على انبعاثات الكربون وإيجاد أسواق لتبادل تراخيص الانبعاثات. ويمكن استخدام إيرادات هذه الضرائب للإنفاق على القطاعات الصحية وتحسين خدماتها، أو خفض الضرائب الأخرى. وإذا تم فرض مثل تلك الضرائب فلا بد أن تكون متوافقة مع مبادئ العدالة الاجتماعية، بحيث لا يتحمل الفقراء ومحدودو الدخل الجزء الأكبر منها، ويمكن استخدام جزء منها لدعمهم وتحفيزهم على استخدام الطاقة النظيفة.
أسهمت سياسات دعم استهلاك الكربون ــ بغير قصد ــ في زيادة مستويات التلوث، وزادت من مخاطر التغير المناخي. ويتطلب خفض مخاطر استهلاك الكربون التخلص من سياسات دعم استهلاك الكربون. وتواجه سياسات إصلاح أنظمة الطاقة العضوية امتعاض منتجيها ومستهلكيها، لكنها في الوقت نفسه ضرورية من أجل خفض انبعاثات الغازات الدفيئة. ويمكن التخفيف من آثار إصلاح سياسات استهلاك الطاقة الكربونية من خلال تخصيص الإيرادات المحصلة من هذه السياسات، إما محل ضرائب ورسوم قد تكون متحيزة ضد محدودي الدخل، أو لدعم الشرائح السكانية الأقل دخلا، والإنفاق على القطاعات الصحية والتعليمية واستهلاك الطاقة النظيفة، التي ستعود بالنفع على المجتمع ككل.

إنشرها