«الاستبانة الإلكترونية» ما بين السهولة والجدوى العلمية

|


انتشر في الآونة الأخيرة ما يعرف بـ "الاستبانة الإلكترونية" كأداة مهمة من أدوات جمع بيانات الرسائل العلمية والبحوث في الجامعات بدرجة كبيرة، فلا يكاد يمر أسبوع دون استقبال استبانة ترسل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ويقوم بعضهم بتشجيع المجموعات في "واتساب" - على سبيل المثال - على استكمال الاستبانة والإجابة عن أسئلتها، وذلك برابط معين على مواقع متخصصة مثل: SurveyMonkey، وGoogle Forms. بدءا؛ من الضروري مواكبة التطور التقني، والاستفادة من التقنيات الحديثة المتاحة للباحث، لكن وفق ضوابط علمية محددة. فالعلاقة بين البحث العلمي والتقنية علاقة متبادلة، ففي حين يقف البحث العلمي وراء التقدم التقني، فإن التقنية بأدواتها وأجهزتها الحديثة تدعم البحث العلمي، خاصة في القياس، وجمع البيانات، ومعالجتها وتحليلها.
ليس الخلاف على استخدام التقنية، لكن على أسلوب اختيار العينة، وتحديد مجتمع الدراسة الذي ستعمم عليه نتائجها. فكثير من الاستبانات الإلكترونية التي يتم تداولها في مواقع التواصل والحث عليها بأسلوب "الفزعة" من قبل أشخاص لهم علاقة بالباحث كالأقارب والأصدقاء، ليس من أساسيات البحث العلمي في شيء، ويمكن إيضاح الأسباب فيما يلي: (1) المشاركة مفتوحة لكل من هب ودب دون متابعة وإشراف من قبل الباحث، ما يعني أن الاستبانة يمكن استكمالها من قبل أشخاص ليسوا ضمن الفئة المستهدفة التي تمثل مجتمع الدراسة. (2) هناك احتمال كبير أن تكون العينة غير ممثلة لمجتمع الدراسة، فقد يتحمس للمشاركة فيها أفراد ينتمون إلى فئة دون أخرى، مثل الأصدقاء والأقارب أو من يرتبطون بهؤلاء. (3) يتناقل معظم الباحثين معادلة معروفة لتقدير حجم العينة، وعلى الرغم من صحتها لتحديد حجم العينات، فإن تطبيقها لا يتناسب مع جميع الدراسات، وذلك حسب أهداف الدراسة والأساليب الإحصائية المستخدمة في الدراسة. (4) لا يعتمد توزيع الاستبانة على عينة احتمالية عشوائية، بالاعتماد على إطار معاينة معروف ونسبة خطأ محسوبة.
صحيح أن "الاستبانة الإلكترونية" سريعة، وسهلة الاستخدام، وقليلة التكاليف، ويمكن أن تصل إلى عينة كبيرة، وتتمتع بشمولية جغرافية واسعة جدا؛ إذ يمكن توسيع عينة الدراسة لتشمل أشخاصا يسكنون في مناطق قريبة؛ أي في أحياء المدينة، أو أماكن بعيدة في دول وقارات بعيدة، وهذه بعض إيجابيات هذه الأداة البحثية الحديثة، التي لا تتوافر في الأدوات التقليدية. فمن المفترض أن يكون مجتمع الدراسة محددا، وإطار العينة معروفا، ومفردات العينة مختارة بأسلوب احتمالي عشوائي، يضمن فرصة متكافئة ومتساوية لجميع مفردات مجتمع الدراسة.
وأخيرا، على الرغم من مزايا استخدام "الاستبانة الإلكترونية"، فإنها لا تخلو من مخاطر وخيمة، وخطورتها تكمن في عدم تمكن الباحثين، وضعف تأهيلهم في مناهج البحث العلمي، سواء في بناء أداة مناسبة، أو اختيار عينة ممثلة بأسلوب علمي مناسب للمجتمع المدروس، ما يؤدي إلى الحصول على نتائج غير موثوقة ومتناقضة وغير منطقية، تتعارض في كثير من الأحيان مع النظريات القائمة، وتضلل صانعي القرارات، ومن ثم لا تسهم في زيادة المعرفة، بل تعد هدرا للجهود والأموال دون فائدة أو نفع للمجتمع سوى حصول الباحث على الترقية أو الدرجة العلمية. وأخطر من ذلك كله، أن هذا النوع من الدراسات "المتسيبة" يخدش سمعة البحوث في مجال العلوم الاجتماعية عموما، ويقلل من الاعتماد عليها في اتخاذ القرارات، ورسم الخطط، وصياغة الاستراتيجيات خصوصا.

إنشرها