الاقتصاد بين عامين

|

هل كان عام 2018 عاما صعبا؟ أعتقد أن ما عايشناه في عام 2018 على مستوى اقتصادات جميع الدول، يشهد على مستوى التحديات والصعوبات التي واجهتها.
إذا ما استرجعنا أحداث عام 2018 على المستوى المحلي، نجد أن هناك تحسنا في الميزانية وارتفاع الإنفاق، وما زال كثير من القطاعات الاقتصادية يحاول التأقلم مع المتغيرات، بينما استطاعت قطاعات أخرى التحسن، والنمو في الأرباح، والاستفادة من الإنفاق الحكومي العالي، فرغم ارتفاع الصرف على تعويضات العاملين والبرامج الاجتماعية عما هو مقدر له في الموازنة، إلا أن قطاعات التجزئة الاستهلاكية لم تتأثر بذلك، التي كان من المفترض تحسنها عطفا على هذا الإنفاق، وعند تحليل التضخم نجد أنه قد يسجل 2.5 في المائة، لكن وبتحليل أسباب الارتفاع نجد أنها وحسب بيان الميزانية جاءت بسبب تطبيق الضريبة المضافة، وتعديل أسعار الطاقة والوقود، والضريبة الانتقائية، وغيرها، وهي - في تصوري - صنعت ضبابية حول وضع التضخم الحقيقي من دون هذه العوامل. وبالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، فقد يحقق نموا 2.3 في المائة مدعوما بإنفاق الميزانية، وتحسن القطاعين النفطي وغير النفطي. ومن المؤشرات المهمة نمو الائتمان المصرفي؛ حيث نمت القروض المصرفية للقطاع الخاص 3.8 في المائة في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) عن مستواها في بداية السنة، وهو أفضل أداء في آخر ثلاث سنوات؛ حيث إنها حققت نموا سلبيا عام 2017، وكذلك هنالك تحسن في مؤشر مديري الشراء، وهو يعكس رغبة الشركات في التوسع، لكن عندما نقارن نتائج وأرباح الشركات المدرجة فسنجد تباينا واضحا فيها، فبينما حققت النتائج المجمعة للشركات حتى نتائج الربع الثالث نموا أقل من 1 في المائة عن السنة الماضية، نجد أن هذا لا يعكس حقيقة أغلب القطاعات؛ حيث عوض نمو أرباح القطاع المصرفي والبتروكيميكال والاتصالات انخفاض أرباح قطاعات أخرى تقريبا، هذه الانخفاضات تراوحت بين شديدة الانخفاض والبسيطة، حيث تراجعت أرباح قطاع مثل السلع الرأسمالية 452 في المائة، ما جعل هذا القطاع يحقق خسائر بشكل شبه كامل، بينما قطاع مثل تطوير العقار حقق ارتفاعا بمقدار 166 في المائة، "أسهمت فيه بشكل رئيس شركة جبل عمر"، لكن إذا حللنا القطاعات بشكل أفضل، وركزنا على القطاعات التي تعكس الطلب المحلي والاقتصاد الداخلي، نجد انخفاضا واضحا في أرباحها. فعلى سبيل المثال، انخفضت أرباح قطاع الأسمنت 78 في المائة، وقطاع النقل 30 في المائة، وقطاع الخدمات الاستهلاكية 78 في المائة، وتجزئة السلع الكمالية 26 في المائة، وتجزئة الأغذية 40 في المائة، وإنتاج الأغذية كذلك 43 في المائة، والرعاية الصحية نالها التراجع رغم أهميتها 21 في المائة، والأدوية 31 في المائة، والمرافق العامة 54 في المائة، وكل هذه القطاعات تراجعت، ما عدا قطاع تطوير العقار؛ "وذلك بسبب شركة جبل عمر"، وقطاع الاتصالات، وهما اللذان تحسنا هذه السنة حتى الربع الثالث، هذا التباين بين نتائج القطاعات يحكي واقع السوق المحلية والطلب؛ وذلك لعدة أسباب - في تصوري - منها التعديلات القوية على تكاليف العاملين الأجانب ومرافقيهم، ما أدى إلى مغادرة كثير منهم، وضريبة القيمة المضافة، وتغيير سلوك المستهلكين جراء ارتفاع التكاليف عموما، وكذلك ارتفاع تكاليف الديون بسبب ارتفاع الفائدة، وأخيرا ارتفاع التكاليف جراء تصحيح أسعار الوقود والطاقة، وزيادة تكاليف العاملين الأجانب والرسوم عموما، كل هذه المتغيرات وغيرها أدت إلى تأثر أرباح الشركات التي تعمل وتستهدف السوق المحلية على خلاف الشركات التي تستهدف الأسواق الخارجية؛ حيث تتأثر بعوامل أخرى.
أما على المستوى العالمي فقد شهد عام 2018 أسوأ أداء للأصول، وبشكل استثنائي قليل الحدوث تراجعت عوائد كل الأصول عام 2018 تقريبا، ما عدا سندات الخزانة الأمريكية "بشكل بسيط جدا"، والوحيد الذي حقق عائدا يذكر هو "النقد"، بينما حققت مؤشرات الأسواق الناشئة أسوأ أداء لهذه السنة، كل هذا حدث بسبب عدة عوامل لن نذكرها كلها هنا، لكن منها: التوترات التجارية بين الدول، خصوصا أمريكا والاتحاد الأوروبي والصين، ما نتج عنه فرض تدابير حمائية أربكت الأسواق، وأثرت بشدة في التجارة العالمية، وكذلك استمرار التشديد في السياسة النقدية الأمريكية، التي نتج عنها ارتفاع الفوائد، وبالتالي أثرت وبشكل قوي في التمويل العالمي، وفي الدولار، ما نتج عنه في النهاية الاضطراب الذي حصل للأسواق الناشئة، وتضررها الشديد من ارتفاع الدولار وارتفاع الفائدة عليه، ما أوجد تباطؤا في الطلب العالمي، ما أثر مع عوامل أخرى في سوق النفط، التي شهدت تقلبا وانخفاضا قويا في النصف الثاني من 2018.
لقد شهدنا كذلك تقلبات استثنائية في الأسواق الأمريكية، التي أنهت السنة بتراجع كان النصيب الأكبر منه لعمالقة شركات التكنولوجيا أو ما يعرف بـFAANG، وهي "فيسبوك، أبل، أمازون، نيتفلكس، ألفابيت"، وهذه الشركات العملاقة التي قادت السوق الأمريكية خلال السنوات الماضية هي الأكثر استهدافا من قبل المستثمرين في البيع. إذن؛ ما حدث عام 2018 مدهش ومتقلب، النصف الأول منه معاكس لما حدث في النصف الثاني على أغلب الأصول.
الآن، دخلنا 2019 والنظرة إليه ما زالت قلقة؛ حيث تتزايد التحليلات المتشائمة للأسواق العالمية والاقتصاد العالمي، والتحذيرات من وقوع أزمات تهدد نمو الاقتصاد العالمي، واشتداد التوتر بين الدول حول الإجراءات الحمائية، واستمرار التشديد في السياسة النقدية الأمريكية، رغم إقرار «الفيدرالي» بتغيير الاقتصاد، واحتمال مراجعة أو توقف رفع الفائدة بعد عام؛ أي عام 2020، لكن ما زال المشهد متوترا عالميا وغير واضح، بينما الوضع في الاقتصاد المحلي قد يتأثر بما يحدث خارجيا، خصوصا بموضوع السياسة النقدية والتوترات في التجارة الخارجية وتبعاتها، إلا أنه لدينا عامل إيجابي وقوي قد يعدل الكفة ويحقق للاقتصاد السعودي توازنا عبر السياسة المالية، وارتفاع الإنفاق الحكومي، خصوصا على المشاريع التي لا بد من إعطائها أهمية بالغة، ومتابعة تنفيذ وصرف ومن دون تأخير؛ ليتحرك الاقتصاد المحلي، وعلى جميع القطاعات، وأتوقع - شخصيا - أن يكون عام 2019 نقطة توازن وتحسن للاقتصاد ولو بشكل بسيط؛ حيث من المهم متابعة مؤشرات، مثل التضخم الذي - وعلى خلاف قراءته عام 2018 - سيعكس في السنة الجديدة صورة أدق للتضخم الفعلي، وكذلك مؤشر الائتمان المصرفي ومستوى أرباح الشركات في القطاعات، التي تعمل داخل السوق المحلية ونمو مبيعاتها، التي - بإذن الله - ستحقق نموا إيجابيا لسنة 2019.

إنشرها