ديوان المراقبة العامة وحكومة فاعلة

|


تشهد الإدارة العامة في العالم نموا فكريا مطردا، خاصة التحولات الرئيسة في آليات العمل مع دخول التقنية بقوة إلى الحكومات. والمملكة تنبهت إلى أهمية التحولات الإلكترونية منذ فترة ورصدت لذلك مبالغ باهظة، وهناك اليوم عدد ضخم من المنظومات الإلكترونية مثل "شامل" و"سريع" و"أبشر" و"اعتماد"، وغيرها مما يصعب حصره، وهذا الاستثمار الضخم في التقنية -كما هو متوقع- سيجعل العمل الحكومي أكثر كفاءة في استخدام الموارد لما تحققه هذه التقنية من رقابة صارمة على الأصول واستخداماتها، فالتقنية –مثلا- أتاحت صرف الرواتب من خلال شبكة سريع وهذا قلص مخاطر الاختلاس والأخطاء، كما أن شبكة أبشر تحقق السداد من خلال المصرف مباشرة، وأخيرا جاءت وزارة المالية بمنصة اعتماد التي تمنحها قدرة كبيرة على مراقبة الصرف على العقود، لكن هذه المنظومة الإلكترونية -كما أشرت- ومعها التحولات في الإدارة العامة تفرض تحديات هائلة على منظومة الرقابة الحكومية الموازية، وهنا أحدد رقابة ديوان المراقبة العامة وهيئة الرقابة والتحقيق وأيضا هيئة مكافحة الفساد. ولعلي أشيد بقوة بإنجازات ديوان المراقبة العامة التي ظهرت في التقرير السنوي لديوان المراقبة العامة الأخير وما حظي به من تقدير خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان للجهود التي يبذلها العاملون في ديوان المراقبة العامة.
لعل أهم ما جاء في نتائج عمل الديوان هو جملة المبالغ التي تم تحصيلها وتوريدها أو توفيرها للخزانة العامة خلال السنة المالية، التي قاربت تسعة مليارات ريال، بزيادة تفوق أربعة أضعاف ما تم تحقيقه في العام المالي السابق، فيما بلغت جملة المبالغ التي طالب الديوان بتحصيلها نحو 38 مليار ريال، بزيادة تقارب ضعفي ما تمت المطالبة بتحصيله في العام المالي السابق، حيث أتت هذه الزيادة الجوهرية في نتائج التحصيل رغم ثبات العنصرين المادي والبشري؛ لتعكس ارتفاع مستوى جودة الأداء المهني بالديوان.
هذه تقريبا هي العبارات التي وردت في تصريحات ديوان المراقبة العامة بشأن إنجازاته، وهي على الحقيقة تستحق الشكر، فإذا كنا نتحدث عن الأهمية النسبية لهذه المبالغ مقارنة بحجم الميزانية فإنه إنجاز حقيقي بلا شك، خاصة أن الديوان يعتمد على أسلوب العينات، ولكن في المقابل -وهنا لا أخفي قلقي- أن هذا يدل على حجم الأخطاء الذي لم يزل مهما جدا في الإدارة الحكومية رغم كل جهود التقنية الضخمة التي تم الإنفاق عليها طوال أكثر من عقد.
لا شك عندي أن مهنية ديوان المراقبة العامة وأداء موظفيه قد ارتقيا بشكل جوهري، وهو بحاجة إلى المزيد خاصة أنه ينتظر منذ مدة طويلة الموافقة على نظامه الجديد، كما أن أسلوب المراجعة الحديثة لأعمال محاطة ببرامج تقنية متقدمة ومعقدة وما تضمه المراجعة لها من مهام تقييم الأداء، فإن تطوير أدوات الديوان الإلكترونية وتطوير مهارات موظفيه أصبحتا حاجة ملحة، وإذا كان الديوان قد حقق هذه الإنجازات بوضعه الحالي ونحن نتخطى التريليون في حجم الميزانية وأمامنا برنامج التوازن المالي بما يفرضه من ضبط للنفقات فإن إنجازات الديوان على المحك إذا لم تتم الاستجابة لمطالب تطويره وبسرعة، وهذا له مبرر منطقي عندي أكثر من مجرد أن الديوان استرد أكثر من تسعة مليارات في عام واحد. فإذا كان ديوان المراقبة العامة وبقدراته الحالية قد استطاع اكتشاف ملاحظات بما يزيد على 38 مليارا، وإذا أضفنا إلى ذلك إنجازات هيئة مكافحة الفساد، وأيضا ما تقوم به هيئة الرقابة والتحقيق، فإننا نجد التملص من أنظمة الرقابة الإلكترونية لم يزل حاضرا وقد تتزايد مع بقاء أدوات اكتشاف الأخطاء عند موظفي الديوان كما هي، خاصة في مهارتهم في عالم افتراضي إلكتروني، وفي نهاية المسار سوف تتقلص أرقام الأخطاء والاسترداد في التقارير لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الفساد قد تلاشى.
لقد تعلمنا منذ الأيام الأولى في مقاعد الدراسة أن جودة المراجعة الخارجية والرقابة هما في اكتشاف الأخطاء والمخالفات الجوهرية ومن ثم التقرير عنها بكل شفافية، وهذا يتحقق اليوم في تقرير ديوان المراقبة العامة، فهو يكتشف الأخطاء ويقوم بالتقرير عنها بشفافية، ولكن إذا لم يتم دعم الديوان لمواجهة التطورات المتلاحقة والمتسارعة في عالم التقنية والسيابر بشكل خاص، فإنني -كما عبرت عن ذلك بشكل صريح هنا- أشك في قدرات الديوان على الاستمرار على هذا النهج والجودة، ولهذا كانت الرسالة واضحة من الديوان أن الإنجازات الحالية تمت من خلال القدرات المتوافرة.

إنشرها