المتطلبات الأساسية للتحسينات الدائمة

|
شاركنا أحد الأصدقاء عرضا مرئيا لممارسات التحسينات المستمرة في وكالة ناسا الأمريكية للفضاء؛ إذ ترتكز الوكالة المشهورة على نموذج جيد يستحق النظر، يُستخدم فيه التواصل بشكل فعال جدا، وتُبنى فيه الأفعال على القيم المشتركة والتحول الثقافي المخطط له. ولو تابعنا أفضل الممارسات التي تقوم بها الشركات العالمية، لوجدنا قائمة طويلة من المفاهيم المبتكرة والأفكار الأصلية التي نراها في ثنايا الكتب والأبحاث والدورات التدريبية وأروقة الشركات والمصانع. من إدارة الجودة حتى الجودة الشاملة، ومن كايزن اليابانية حتى الإدارة الرشيقة Lean Management وإدارة الأجايل، وكل أساليب إدارة العمليات الكلاسيكية، ومقاييس الجودة والتواصل الحي والمباشر، وتفكيك التكتلات والعزل والحوكمة وخلافه. في نهاية الأمر، يرتبط التحسين المستمر بالبقاء، وبالقدرة على تقديم العمل بشكل أفضل، يمكّن مقدم العمل من تحقيق الهدف منه. لكن هل التحديات المرتبطة بهذه التحسينات مرتبطة بمعرفة آخر الصيحات والأساليب فقط، أم بمن يقود المنشأة ويملك القدرة على رعايتها؟ حتى يتمكن أحدهم من استخدام أي تطبيق موثوق أو ممارسة جيدة للقيام بالتحسينات المطلوبة، يجب عليه أولا أن يحوز بعض المتطلبات المبدئية التي لا يمكن تجاوزها. وهنا يكمن أحد أكبر التحديات المرتبطة بتنفيذ التحسينات في مقر العمل. يظن البعض أن العقبة تكمن في اختيار حل معين أو أسلوب مناسب، لكن المشكلة مختلفة تماما؛ إذ ترتبط بالتأسيس قبل الحل، بالجاهزية قبل الشروع في التنفيذ، بالقَبول قبل إتمام الاتفاق. أول المتطلبات المبدئية هو الاعتقاد بجدوى هذه الممارسات وقدرتها على صنع الفارق، من دون اعتقاد قوي وراسخ من أحد "أو من مجموعة من" المؤثرين داخل المنشأة لن يحصل أي بيع حقيقي ورواج لهذه الأفكار. أحيانا وحسب هيكل المنشأة وآلية التواصل الموجودة، لا بد أن يعتقد عراب المنشأة أو المؤثر الأقوى فيها جدوى العملية بالكامل، ويصبح هو المروج الرئيس لها، قد يكون هذا الشخص رئيس مجلس الإدارة أو الرئيس التنفيذي أو مدير الوحدة الأكبر في المنشأة أو كبير المهندسين أو أي مؤثر آخر. إحدى أكبر مشكلات رواد التغيير والتطوير في أماكن العمل هي مقاومة القيادة "وعدم فهمها" أهمية الاقتراحات أو الحلول المطروحة. المشكلة الأخرى التي تعظم من هذا التحدي هي أن الاعتقاد يبنى في العادة على المعرفة السابقة والتجارب الشخصية، بينما المعرفة الجيدة التي يمكن الحصول عليها يدفعها الإيمان بأهمية التعلم في هذا المجال؛ أي أن هناك معضلة "أيهما أولا: البيضة أم الدجاجة"، والحل يكون بوجود رائد التغيير النشط، الذي يتدخل ويحضر إحداهما "البيضة أو الدجاجة"، ويهيئ الظروف لإكمال الدورة واكتمالها، ثم يبني بعد تدعيم معتقدات الإدارة بقية الخطوات. المتطلب الثاني المهم يتصل بالقدرة على إدارة العناصر المرتبطة بأساليب التحسينات المختلفة؛ أي القدرة على إدارتها وتحويلها والتأثير فيها، وهذا يشمل ثلاثة محاور: الأول، اكتمال دائرة الصلاحيات الرسمية الممكنة، إضافة إلى الصلاحيات العاطفية، التي يتم صنعها عن طريق العلاقات والكاريزما والحضور الإيجابي. الثاني، قابلية تطوير آليات التواصل. حالة الجمود في آليات التواصل مستنقع خطير يصعب الخروج منه. الثالث، الفهم الجيد للثقافة الحالية داخل المنشأة وعناصرها التنظيمية والاجتماعية والمرحلة الانتقالية المتوقعة والمرحلة المقبلة المستهدفة. من المهم جدا قبل الشروع في تنفيذ أي برنامج للتحسين المستمر، أن نقيم القدرة على إدارة هذه العناصر، وهي باختصار الصلاحيات والتواصل والثقافة. العجز عن التأثير فيها يعني شللا في التنفيذ، وكالعادة تصبح النتائج حينها مجرد حبر على ورق، وشهادات وقوائم لا تعكس من الواقع شيئا. المتطلب الثالث، القدرة على صناعة المعلومة وعرضها والتعرف على تفاصيلها، وهذا المتطلب ممكن أن يعمل بالتوازي مع تنفيذ أي من حلول التحسين المستمر، إلا أنه لا يأتي بعده أو بناء على توصية منه، فلا تحسين من دون معرفة الوضع الحالي، والمعرفة تقتضي وجود نظام معلوماتي ملائم، يحول ما يحدث إلى وقائع مسجلة، يمكن قياسها وتحليلها والاستفادة منها. المتطلب الرابع، وجود بيئة متنامية لإدارة المشاريع داخل المنشأة. لا يمكن ضبط التحسين من دون حوكمة التغيير. بعبارة أخرى، لا بد من وجود إدارة مهام فعالة ومنضبطة، تدير الأدوار المختلفة، وتضمن التزامن الجيد، وتؤسس الرقابة والمتابعة الفعالة، وهذا لا يحدث في العادة إلا بوجود شخص منظم فوق العادة، يدير كل الأعمال بطريقة مركزية جدا، أو بوجود تطبيق جيد لإدارة المهام والمشاريع. تعليق شهادات الجودة على الجدران وتمرير الأخبار الترويجية وعرض الأوهام والخدع على مجالس الإدارات والشركاء والمساهمين، لا يقرب من حل المشكلة، بل يشوبه كثير من الإشكاليات الأخلاقية. تتاح المعرفة اليوم للجميع، لكن التنفيذ مرهون بالكفاءة والصدق والاهتمام. ادعاء القيام بالعمل من دون إنجازه مظهرا وجوهرا يفوق الإهمال، ويصل إلى التدليس والخداع، ويستحق التجريم. لذا؛ مربط الحصول على التحسينات الدائمة – وليس المستمرة فقط – يقوم على تهيئة الأجواء المناسبة لها، في نهاية الأمر التحسين سلوك طبيعي يبحث فقط عن الظروف المناسبة التي تتطلب التهيئة والتجهيز.
إنشرها