الاستثمار في التعليم العالي إلى أين يتجه؟

|

يبدو أن القطاع الخاص في بلادنا بدأ يتجه بقوة إلى الاستثمار في التعليم العالي لأسباب عدة ناقشت بعضا منها في مقالات سابقة. ومن أشهر أكاديميات قطاعنا الخاص، جامعة اليمامة، جامعة الأمير سلطان، جامعة الفيصل، وكلية عفت، ومن آخر هذه الأكاديميات "جامعة الرياض للأعمال"، وفي موضوع الاستثمار في التعليم العالي لدي بعض التساؤلات والملاحظات.
أولا، نرى أن غالبية هذه المؤسسات الأكاديمية ركزت استثماراتها في تخصص إدارة الأعمال. والسؤال، هل نحن في حاجة ماسة بالفعل لمزيد من كليات الأعمال أم أن القرار بني على توقع وظنون؟ فلو عدنا إلى الوراء قليلا وأخذنا قرار إنشاء كليات الحاسب الآلي، كيف بدأت وكيف جار عليها الزمن. انتفضت جميع مؤسساتنا الأكاديمية، ورفعت إلى المقام السامي طلب إنشاء كلية حاسب "كلية في كل جامعة" ظنا منها أن الحاجة ماسة إلى هذا التخصص. وما هي إلا سنوات معدودة حتى اكتشفت جامعاتنا حقيقة مرة مبغضة أن سوق العمل لا يحتاج إلى كل هذا العدد من خريجي الحاسب الآلي ونظم المعلومات. وقد أدرك طلابنا هذه الحقيقة فأصيبوا بالحزن والكآبة وهم ما زالوا على مقاعد الدراسة، وإنني ألاحظ ذلك في وجوههم، ومسيرهم، وقولهم، وصمتهم. مشكلة مؤسساتنا الأكاديمية عندما تعيد هيكلة تخصصاتها بإلغاء أقسام أو استحداث أقسام أخرى، فإنها تأخذ في حسبانها ونصب عينيها مبدأها الوحيد والمقدس، ألا وهو "حاجة سوق العمل" فقط، وكأن مشكلة البطالة تتحمل تبعاتها مؤسسات التعليم العالي. وقد ذكرت في مقال سابق أن مسؤولية الجامعات في هذه القضية مسؤولية جزئية، وهي إيجاد الحلول لهذه المشكلة مبنية على الدراسات والأبحاث النظرية والميدانية.
التساؤل الآخر، لماذا جامعة وليست كلية؟ لماذا تبدأ مؤسسات القطاع الخاص بجامعة؟ معنى أن تكون جامعة، أي تحت مظلتها كليات: كلية للتمويل، وكلية للتسويق، وكلية لإدارة العمليات و... هكذا. ومثل هذا الهيكل يعكس مسارات وليس كليات، فحسب علمي أنه ليس هناك جامعات متخصصة في إدارة الأعمال في العالم المتقدم أو النامي أو الأقل نموا، ولم أسمع عن كلية للتسويق أو كلية للتمويل. فتخصصات إدارة الأعمال إما أن تكون كلية تتبع جامعة ككلية "لندن للأعمال"، أو تكون كلية مستقلة كـ"كلية واشنطن للأعمال". أما جامعة مستقلة للأعمال فلم أسمع بذلك من قبل!
وإذا افترضنا إمكانية إنشاء جامعة للأعمال، أما كان من الأفضل أن تبدأ بكلية واحدة فقط تختبر بها السوق وتتعرف على نقاط القوة والضعف، وبعد اكتمال الصورة واتضاح الرؤية تتحول تدريجيا إلى جامعة. ولتأخذ العبرة بالتجارب الناجحة في ذلك، كتجربة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن عندما بدأت ككلية وبعد أن اتضحت الصورة توسعت كجامعة تحوي عددا محدودا من الكليات.
وبناء على سلسلة مقالات كتبتها في هذا الموضوع، أود أن أختم ببعض التوصيات التي أراها مهمة عند الاستثمار في مجال التعليم العالي، خاصة في مجال إدارة الأعمال:
1. دخول القطاع الخاص في الاستثمار في التعليم العالي ناحية صحية وطبيعية لتخفيف الضغط على الجامعات الحكومية ولإنشاء بيئة تسعى إلى المنافسة الحرة. فالبلدان التي سبقتنا بالاستثمار في التعليم العالي استفادت جامعاتها الحكومية من تجارب جامعات القطاع الخاص. والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن ضمنها أن جامعة "هارفارد"، التي تقع في الجزء الشرقي من الولايات المتحدة، هي في الأصل جامعة خاصة أصبحت القدوة والمثل الأعلى للجامعات الأمريكية الحكومية. فجامعة "ستاندفورد" بنت رسالتها ووصفت نفسها بـ"هارفارد الغرب" تيمنا بـ"هارفارد" الشرق. إلا أنني أخشى أن بيئة الاستثمار التعليمي في بلادنا لم تنضج بعد. فقد تتحول المؤسسات الأكاديمية إلى مؤسسات ربحية بحتة لا يكون ضمن رسالتها ولا من أهدافها توفير خدمة تعليمية متميزة، خصوصا إذا تعارض الربح مع الجودة.
2. أغلبية مؤسسات التعليم العالي متمركزة في مدينتي الرياض وجدة، وهاتان المدينتان فيهما عدة جامعات حكومية تستوعب آلاف الطلاب، وعدد من الجامعات الخاصة، وما يقرب من ذلك من الكليات الحكومية والخاصة، إضافة إلى الكليات العسكرية والكليات المتوسطة والمعاهد العليا، فما ضر لو كان الاستثمار في التعليم العالي في مناطق أخرى ذات الكثافة السكانية العالية، التي ليس لديها مصادر متنوعة للتعليم العالي، خصوصا أن رسالة الاستثمار في التعليم العالي هي "تقديم خدمة تعليمية بأسعار منافسة".
3. أرى أن تضبط العملية، فالتوسع في إنشاء جامعات حكومية أو أهلية يجب ألا يبنى على حماس مندفع أو إحساس بتأنيب الضمير. تغنت وزارة التعليم العالي عقودا بسبع جامعات، وبعد سبات عميق أدركت أنها قد تسببت في مشكلة فأرادت تغطية القصور بمزيد من الجامعات، وهي الآن لا تعلم هل من أولويتها الاهتمام بعدد الجامعات أم بجودة التعليم؟ إن إنشاء جامعات عملية استراتيجية لا يعرف تبعة قراراتها إلا بعد سنين، لذا يجب التريث قليلا حتى نعرف أين يتجه تعليمنا العالي.

إنشرها