FINANCIAL TIMES

الفضاء .. الحدود الجديدة لصناعة التمويل

كنت مراهقة مهووسة بالخيال العلمي في الثمانينيات، ترتبط عبارة "الفضاء الخارجي" بالنسبة لي بصور ذهنية لرواد الفضاء، والصواريخ، والمخلوقات الفضائية، وروايات آرثر سي كلارك.
الآن العبارة ترتبط بشيء آخر: صناديق الثروة السيادية، وشركات رأس المال الاستثماري، وعمالقة "وول ستريت"، مثل "جولدمان ساكس".
نعم، قرأت هذا بشكل صحيح. هذا الشهر عقدت وزارة التجارة في واشنطن مؤتمرا رئيسا لمناقشة استكشاف الفضاء وتنميته. النقاشات المتعلقة بالمخلفات الفضائية، وإطلاق الصواريخ، وأنظمة تحديد المواقع العالمية، تخللتها أيضا مناقشات حيوية حول كيفية تشجيع صناديق المعاشات التقاعدية للاستثمار في الشركات ذات الصلة بالفضاء.
يقدر محللون أن يزداد حجم الصناعة الفضائية العالمية من نحو 400 مليار دولار الآن إلى أكثر من تريليون دولار بحلول عام 2040. وبينما كانت الحكومة تاريخيا هي التي تدفع المغامرات في الفضاء، يرى وزير التجارة، ويلبر روس، الآن أن الوقت حان لكي يصبح القطاع الخاص هو محرك النمو.
لذا تحاول الوزارة إلغاء الضوابط التنظيمية لهذا القطاع، ما يسهل على رجال الأعمال الانضمام إلى هذا المجال، وجذب رأس المال من شركات رأس المال الاستثماري، وصناديق التحوط، وصناديق الثروة السيادية، وحتى صناديق التقاعد الرئيسة.
أخبرني روس في مقابلة أن "صناعة الفضاء على وشك أن تشهد ثورة"، مشيرا إلى أن شركات مثل "جولدمان ساكس" و"بانك أوف أمريكا" وضعت أخيرا فرقا مخصصة لإجراء أبحاث مالية حول هذا الموضوع. وهو يشبه هذا القطاع بالعلوم البيولوجية: مجال سينتج "خبطات" كبيرة للمستثمرين على المدى الطويل، حتى لو كان العلم على المدى القصير يبدو محفوفا بالمخاطر.
هل هذا شيء جيد؟ أعتقد لو سألت رواد الفضاء الأمريكيين الذين قفزوا إلى كتب التاريخ منذ خمسة عقود مضت، قد يتفاجؤون. في أيامهم، كان استكشاف الحدود النهائية بمنزلة مغامرة وطنية لمصلحة عامة الجمهور، وكان من الأفضل تمويله من الحكومات الوطنية (أو في أوروبا حكومات تتخطى الحدود الوطنية).
ما يزعج بعض العلماء في الوقت الحالي هو أن الدافع لجذب أموال القطاع الخاص إلى الفضاء يحدث في وقت تقترح فيه إدارة ترمب إجراء تخفيضات في ميزانيات البحث العلمي، لدرجة أن جهات مثل "314 أكشن" 314 Action (وهي مجموعة ضغط غير ربحية تحاول إقناع العلماء بالدخول إلى مجال المناصب الحكومية) تدعي أن هناك الآن "حربا على العلم" داخل الحكومة.
لكن بالنسبة لمن يوجدون في معسكر روس، التركيز على رأس المال الخاص مدفوع بالفرصة وليس بالملائمة. يجادل روس بأن الولايات المتحدة لديها تاريخ طويل في استخدام المال العام لتمويل موجة أولية من العلوم القائمة على التكهنات، التي يتم استخدامها فيما بعد من قبل رجال الأعمال في القطاع الخاص لتوسيع القطاع ودفع الابتكار. أحد الأمثلة هو العلوم البيولوجية، وكذلك الإنترنت.
عندما يتعلق الأمر بالفضاء، هناك دليل على أن هذه الديناميكية تعمل بالفعل: بدأ رجال الأعمال والمستثمرون ينخرطون في هذا المجال. في الأسبوع نفسه الذي عقدت فيه وزارة التجارة مؤتمرها، أرسل رجل الأعمال البريطاني ريتشارد برانسون صاروخا جديدا من "فيرجن جالاكتيك" Virgin Galactic إلى الفضاء.
وهو يتوقع الآن أن تكون لديه، خلال عامين، شركة قابلة للاستمرار قادرة على إرسال صواريخ تحمل أقمارا صناعية خاصة بالاتصالات تحلق في مدار منخفض، وكذلك إرسال صواريخ في رحلات فضائية سياحية. في الواقع، تباع التذاكر منذ الآن في حدود ربع مليون دولار - ويعتزم برانسون نفسه الذهاب. قال أخيرا في مقابلة مع "فاينانشيال تايمز"، "ثلاث رحلات أخرى يفترض أن تكون كافية قبل صعودي للأعلى".
يعتقد بيتر ديامانديس، وهو رائد فضاء أمريكي اشترى تذكرة لإحدى رحلات برانسون الفضائية، أن هناك إمكانية لإرسال آلاف من الناس في عام واحد إلى الفضاء. برانسون ليس الوحيد في استشعار الطلب المحتمل. مؤسس "أمازون"، جيف بيزوس، يسعى هو الآخر إلى إطلاق مشروع تجاري خاص بالأقمار الصناعية.
ما يميز هذه المشاريع هو أنها لا تسعى فقط إلى الحصول على ركاب معينين لهذه الرحلات، ولكن - الأهم - تبحث عن طرق لجعل الصواريخ قابلة لإعادة الاستخدام وذات مواصفات معيارية. بحسب روس "أفضل استخدام للأموال الفيدرالية هو المشاريع العلمية المتقدمة. لكن المشكلة في المشاريع العلمية هي أنها مصممة لتحدث مرة واحدة فقط. نحن نطير بشكل روتيني على طائرة من طراز 747 من لندن إلى نيويورك، لكن لو أعدت تصميمها بعد كل رحلة، فلن يكون لديك كثير من الحركة - أصبحت بعض المفاهيم، مثل إعادة الاستخدام، مهمة جدا جدا".
يبقى أن نرى ما إذا كان أي من هذه المشاريع سيجني المال بالفعل. كذلك من غير الواضح كيف ستتأثر بالارتفاع الحالي في التوترات الجيوسياسية، إذا أصبحت الولايات المتحدة والصين عدائيتين بشكل متزايد مع بعضهما بعضا، فقد تصبح الحكومات الوطنية على كلا الجانبين، بعد أن تشعر بالآثار الأمنية، أكثر تدخلا في صناعة الفضاء. أعلن البيت الأبيض بالفعل أن الفضاء هو جبهة جديدة للحرب.
في الوقت الحالي، لا تزال لعبة الصاروخ - أو رواية آرثر سي كلارك - أفضل هدية في عيد الميلاد لطفل مهووس بالخيال العلمي. لكن بما أن الفضاء الخارجي أصبح الحدود القصوى للتمويل، فربما حان الوقت للنظر في الاستثمار في صندوق مؤشرات مرتبطة بالفضاء.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES