FINANCIAL TIMES

روما تشد حبل الحرب مع بروكسل رافعة شعار: «الإيطاليون أولا»

فنشنزو داموري، مواطن إيطالي صانع لأجبان الموزاريلا من حليب البقر، يبلغ من العمر 34 عاما ويسكن في بلدة كارينولا الصغيرة خارج نابولي، هو بالضبط ذلك النوع من أصحاب العمل الصغار الذين من المفترض توقع أن يحتفلوا بعضوية إيطاليا في الاتحاد الأوروبي، بما يعنيه ذلك من سوق موحدة تسمح لهم ببيع منتجاتهم عبر القارة.
في العام الماضي، عمد إلى تحويل المزرعة التي أسسها جد والده في بداية القرن الماضي إلى مصنع أجبان حديث، وذلك باستخدام 800 جاموسة و360 دونما من الأرض لإنتاج نحو 500 كيلو جرام من جبنة موزاريلا في الأسبوع.
على أن ذلك كان حلما من الماضي، إذ يقول الآن إن أعماله قد تضررت بسبب المنافسين من المنتجين من ذوي التكلفة وبالتالي الأسعار الأقل، في أماكن أخرى في أوروبا "مع الأسعار التي تباع بها بعض أنواع الموزاريلا في محال السوبر ماركت الأوروبية، لن تكون قادرا على سداد تكلفة حتى مجرد شراء الحليب، فكيف يمكن لهذا المنتج حتى أن يكون في السوق، ناهيك من أن ينافس؟ لطالما أحببت فكرة تسمية نفسي بالأوروبي، لكني أشعر الآن بأنه تم التخلي عني. أنا أفقد الثقة بأوروبا".
داموري هو جزء من عدد متزايد من الإيطاليين الذين، بعد عقدين من الركود الاقتصادي، لم يعودوا يعتقدون أن كونهم جزءا من الاتحاد الأوروبي هو جيد لبلدهم. توصل البحث الذي أجراه البرلمان الأوروبي هذا العام إلى أن 45 في المائة منهم يعتقدون أن إيطاليا في المحصلة النهائية لم تستفد من عضويتها في الاتحاد، وهو مستوى أعلى من الاستياء أكثر حتى من اليونان، التي عصف بها الركود أو بريطانيا التي صوتت لمصلحة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وقد أسهم انهيار ثقة الإيطاليين بالاتحاد الأوروبي في زيادة الدعم لحزب الرابطة الشمالية المعادي للمهاجرين والمناهض للتكامل الأوروبي، بقيادة ماتيو سالفيني البالغ من العمر 45 عاما.
سالفيني، وهو من مواطني ميلان، لا يذهب إلى حد مطالبة إيطاليا بمغادرة منطقة اليورو - ناهيك عن الاتحاد الأوروبي. إلا أن تعهده بالوقوف في وجه مؤسسة أوروبية يجادل بأنها خذلت إيطاليا، قد ساعد على تحويل مكانة حزبه.
بعد أن كان حزب رابطة الشمال الانفصالي يعتبر أكثر قليلا من مجرد حزب انفصالي شمالي هامشي، أصبح منذ انتخابات آذار (مارس) الماضي، قوة سياسية وطنية تشير استطلاعات الرأي إلى أنه يمكن أن تتيح لسالفيني أن يصبح رئيسا للوزراء، إذا أجريت انتخابات في المستقبل القريب.
خيبة أمل الإيطاليين في الاتحاد الأوروبي تشير إلى تحول كبير في الأجيال لبلد كان يعتبر في وقت من الأوقات، أن التكامل الأوثق مع أوروبا هو حل لكثير من أمراضه. وفي عام 2000، قال نحو 80 في المائة من الإيطاليين إنهم يرحبون بدخول بلدهم إلى العملة الموحدة، في وقت لم يكن فيه إلا نصف الألمان قد رأوا نفس الرأي.
منذ انضمام إيطاليا إلى العملة الموحدة كان متوسط معدل النمو الاقتصادي السنوي لكل فرد في إيطاليا صفرا، وذلك وفقا لمؤسسة بروجل للأبحاث.
ويقارن ذلك بمعدل 1 في المائة لإسبانيا، وفرنسا بنسبة 0.8 في المائة، وألمانيا بنسبة 1.25 في المائة.
الآن، مع تباطؤ الاقتصاد الأوروبي الأوسع، فإن إيطاليا تخاطر بالتحول إلى ركود فني بنهاية هذا العام، بعد انكماش اقتصادها في الربع الثالث.
بالنسبة إلى مارشيلو ميسوري، مدير كلية "لويس" LUISS للاقتصاد السياسي الأوروبي في روما، فإن انهيار ثقة الإيطاليين بالمشروع الأوروبي يعود جزئيا إلى الاقتصاد الراكد، الذي شعر فيه الشباب بالألم بشكل غير متناسب.
في بلد يعاني فيه خُمس الشباب من البطالة، يقول 23 في المائة من الشباب الإيطالي إنهم يتوقعون تحقيق وضع اجتماعي - اقتصادي أفضل من جيل آبائهم، وهو أدنى مستوى في الاتحاد الأوروبي وفقا لمجموعة الأبحاث سنساس Census.
يقول ميسوري "هناك اختلاف واضح بين أجيال من الإيطاليين في موقفهم من أوروبا. بالنسبة إلى جيلي، كانت فكرتنا عن أوروبا هي أن نكون أحرارا، لكي يكون لدينا عالم أوسع حول إيطاليا. هذا يتغير".
لم يؤد الانخفاض الأخير في الاقتصاد إلا إلى زيادة الغضب تجاه الاتحاد الأوروبي. وفي اجتماع حاشد هذا الشهر في ساحة بيازا ديل بوبولو في روما، أخبر سالفيني عشرات الآلاف من المؤيدين، وكان كثير منهم يلوحون بالأعلام بشعار حزبه: "الإيطاليون أولا"، بأنه سيقف في وجه بروكسل.
وقال أمام الحشود التي كانت تصفق له "نحن لا نخاف من أي شيء ولا من أي شخص. شخص ما خان الحلم الأوروبي، لكننا سنضع الدم والقوة مرة أخرى في عروق مجتمع أوروبي جديد".
وحذر من أن مزيدا من التقشف المفروض على إيطاليا من بروكسل سيؤدي إلى أعمال شغب، مثل تلك التي شوهدت في الأسابيع الأخيرة في فرنسا.
استعداد سالفيني للتصدي لبروكسل أمر ملموس على أوضح نحو ممكن في المواجهة بين الحكومة الائتلافية الإيطالية والمفوضية الأوروبية حول خطط ميزانيتها، التي تتوخى حدوث زيادة حادة في الإنفاق العام.
قدرت روما في البداية أن هذا سيوجد عجزا في الميزانية يبلغ 2.4 في المائة، ما يخالف المبادئ التوجيهية للاتحاد الأوروبي. ولم تقبل بروكسل على الفور اقتراحا يقضي بتقليص هذا الرقم إلى 2.04 في المائة عند اقتراحه الأسبوع الماضي.
هذا وضع يضع المفوضية الأوروبية في موضع الحاجة إلى إيجاد توازن بين أن يُنظر إلى إيطاليا، على اعتبار ما وصفته بانتهاك "غير مسبوق" لقواعد الموازنة، مع الحرص على عدم تزويد سالفيني بمزيد من الذخيرة لمهاجمة بروكسل. وقال التحالف "إنه سيلتزم بسياسات الإنفاق الرئيسية".
الشعور بالظلم في إيطاليا بأن معايير مختلفة يجري تطبيقها من قبل بروكسل على العواصم الأخرى، ألهبه إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون عن إنفاق أعلى في فرنسا لتهدئة المحتجين الغاضبين، وهي خطوة من شأنها أن تزيد بشكل حاد من عجز موازنة في البلاد.
وبدلا من إثارة القلق لدى الناخبين الإيطاليين، فإن صلابة سالفيني مع أوروبا التي رأته يشن حربا هوجاء ضد "خندق بروكسل"، وتشكيله تحالفات مع سياسيين آخرين من اليمين المتطرف مثل مارين لوبن الفرنسية، بات من مصادر تعزيز شعبية حزبه.
نجح سالفيني في تحويل الحزب الذي كان مقصورا على أقلية في الشمال الصناعي المتقدم، إلى حزب وطني يستهدف الدعم من قلب بل وجنوب البلاد، بطريقة لم يكن من الممكن تخيلها قبل خمس سنوات.
قبيل الانتخابات الأوروبية في أيار (مايو) المقبل، فإن "الرابطة" التي تشترك في السلطة، مع حركة "الخمس نجوم" الشعبوية المناهضة للمؤسسة السياسية، تتقدم الآن في استطلاعات الرأي بنسبة تزيد على 30 في المائة - وهو رقم إذا ما تحقق في الانتخابات فسيجعل من الرابطة أكبر حزب في البلد.
من شأن نتيجة قوية في الانتخابات الأوروبية أن ترى سالفيني وهو يعزز مكانة حزبه الجديدة كقوة مهيمنة على اليمين السياسي لإيطاليا، وهو الموقع الذي كان يشغله في السابق حزب فورزا إيطاليا بقيادة بيرلسكوني لمدة عقدين.
كما أن من شأنه أن يزيد من احتمالية أن يتولى السلطة شخص تعرف عنه مناهضته للتكامل الأوروبي، في بلد كبير في منطقة اليورو، لأول مرة في تاريخ العملة الموحدة.
سوزانا سيكاردي "31 عاما"، عمدة مدينة كاسكينا الصغيرة في توسكانيا بالقرب من بيزا، هي ممثلة لجيل من السياسيين الإيطاليين الشباب الذين اتخذوا موقفا أكثر عدائية تجاه بروكسل، كوسيلة لحماية ما تعتبره "القيم الإيطالية".
ترى أنه في حين إنه كان من المرجح أن يتبنى جيل سابق من السياسيين اليمينيين الإيطاليين الانفتاح على أوروبا، تقول سيكاردي، التي كانت تبلغ من العمر 12 عاما عندما أطلق اليورو عام 1999، "إنها ومؤيديها لا يشعرون بألفة مع الاتحاد الأوروبي الحديث: "أشعر أنني شخص أوروبي من وجهة نظر التاريخ، لكنني لا أشعر أنني شخص أوروبي من وجهة نظر إدارية أو تنظيمية، لأن أوروبا هذه تتناقض مع نفسها ومع قيمها. أي مواطن يسمع بمسألة الهوية، لا يريد أن يرى فجأة المراكز التاريخية وهي تمتلئ بنساء يرتدين الحجاب، والمدارس التي لا تستطيع أن تأكل فيها لحم الخنزير. هذا أبعد ما يكون عن ثقافتنا. ولهذا السبب يشعر الناس ببعدهم عن الاتحاد الأوروبي، لأنه لا يدافع عن القيم المشتركة لدى الشعب الأوروبي، شعبنا".
تقول الآنسة سيكاردي "إن انتقاد بروكسل سمح لسالفيني بكسب ثقة وطنية". مع ذلك، لا تنحصر الكراهية الموجهة إلى الاتحاد الأوروبي على اليمين المتطرف في إيطاليا.
داخل صفوف حركة "النجوم الخمس"، وهو حزب يتكون من مواقف أيديولوجية متنوعة، يعتقد البعض أن اليورو أسهم في إيجاد وضع اقتصادي في إيطاليا خيب آمال الشباب هناك.
كثير من الشخصيات القيادية في الحزب، بمن فيهم زعيمه لويجي دي مايو الذي يبلغ من العمر 32 عاما، هم من جيل الإيطاليين الذين واجهوا معاناة بسبب ارتفاع معدل البطالة بين الشباب وانعدام الفرص.
هذا الجيل جاء في الوقت الذي أتاحت له فيه حرية التنقل العمل في كل أنحاء أوروبا، ما يعني أن عضوية إيطاليا وفرت النجاة من البطالة في الداخل، لكنها أيضا تذكره بالإخفاقات الاقتصادية التي تعرضت، أو بالأحرى تتعرض لها إيطاليا.
دي مايو، نائب رئيس الوزراء المشارك في الائتلاف مع سالفيني، أقل عدوانية بشكل صريح تجاه بروكسل، لكنه يصر على أن الوعود الانتخابية التي قدمها حزبه - بما في ذلك زيادة مدفوعات الرعاية الاجتماعية المقدمة إلى الفقراء - يجب أن يتم الأخذ بها سواء أعجب ذلك بروكسل أم لم يعجبها.
خلال نشأته في المنطقة الجنوبية من إيطاليا، حيث يعاني خُمس عدد السكان من البطالة، شاهد كثيرا من أصدقائه وهم مضطرون إلى مغادرة المكان بحثا عن عمل في الخارج. ويقول "ذهب كثير من أصدقائي إلى لندن ونيويورك وبرلين أو فرانكفورت بحثا عن عمل. كان هنالك فرق بين الذين عملوا في وظيفة نادل في المنطقة، مثلما فعلت أنا، والذين عملوا في وظيفة نادل في لندن. كان بإمكانهم تحقيق تطور مهني بينما لم أستطع أنا ذلك".
يجادل ميسوري بأن بزوغ نزعة المناهضة للتكامل الأوروبي كان مدفوعا بفشل الاقتصاد الإيطالي في القدرة على التحديث على مر العقود.
وهناك حالة الركود الاقتصادي التي نتجت عن ذلك، التي حفزت رجال السياسة من أحزاب اليمين واليسار، على إلقاء اللوم على الجهات الخارجية.
ويقول "في عقد الستينيات، تمكنت شركات إيطالية صغيرة من تقليد الإبداع الذي توصلت إليه بلدان أخرى، على اعتبار أنها تتعامل على الأغلب مع آلات مادية.
مع بداية عقد التسعينيات، أصبح الابتكار العالمي يستند إلى أصول غير ملموسة، ولم تتمكن شركاتنا الصغيرة من التكيف مع الوضع. وهذا ليس خطأ اليورو أو الاتحاد الأوروبي، بل بدرجات مختلفة بدأ رجال السياسة من التيار الوسطي في إلقاء اللوم على أوروبا، ومن هذا المنطلق وجدت الآراء الشعبوية الباب مفتوحا أمامها".
في حين يشعر كثيرون بعدم الرضا إزاء انعدام النمو الاقتصادي في البلاد، لم تتحول حالة العداء المتزايدة تجاه بروكسل إلى رغبة في مغادرة سوق العملة الموحدة - النتيجة النهائية التي كان يخشى معظم الناس الوصول إليها في الأسواق المالية.
في حين لا يعتقد نصف الإيطاليين أن عضوية الاتحاد الأوروبي مفيدة لبلادهم، يؤيد 59 في المائة منهم عضوية إيطاليا في سوق العملة الموحدة أي منطقة اليورو، وفقا لوكالة يوروباروميتر.
استبدل كل من سالفيني ودي مايو التصريحات القديمة التي كانت تثير تساؤلات حول اليورو، ببيانات تلتزم بكل ثبات بإبقاء البلاد داخل اتحاد العملة. لتحويل خيبة الأمل تجاه أوروبا إلى طفرة انتخابية مهمة، سيتعين على سالفيني أن يكون حذرا من أن خطاباته التي تعلن العدائية تجاه بروكسل، لن تتسبب في فقدانه دعم وتأييد الشركات الصغيرة في المنطقة الشمالية - قاعدة السلطة التقليدية بالنسبة إليه.
وقد واجه أخيرا انتقادات من مراكز الضغط لمصلحة الأعمال في إيطاليا بسبب حالة الغموض الناجمة عن خطط الموازنة التي تقدمها الحكومة.
في الوقت نفسه، يتذكر الإيطاليون الأكبر سنا شكل الحياة في البلاد، قبل انضمامها إلى السوق الموحدة، بطريقة ربما لا تلقى قبولا لدى الأجيال الأصغر سنا.
يتذكر أنتونيو نيستي، صانع أثاث في كاسكينا يبلغ من العمر 74 عاما، كيف كان يتعين عليه الانتظار في طوابير لساعات على الحدود الأوروبية لإتمام عمليات التسليم، قبل أن تصبح إيطاليا جزءا من السوق الموحدة. ويقول كغيره من صغار المصدرين الآخرين، "إن أي إخلال بهذا الأمر قد يتسبب في تكبد شركته خسائر ضخمة".
ويضيف "أعتقد أن الإيطاليين الذين يريدون أن يعملوا، والذين يريدون أن يستمروا في العمل لا يحبون السياسة التي تمارسها الحكومة الآن، من خلال لعبة شد حبل الحرب مع أوروبا".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES