الأب الذي سرق حياة ابنه

|
حين يدفع جنون العلم الأب للتضحية بابنه في سبيل إثبات نظريته يقف العقل عاجزا عن تصديق ما قام به الأب خبير التغذية وبناء الأجسام للرياضيين "كارل" في حق ابنه منذ ولادته!! كان كارل مؤمنا بالنظرية التي تقول إن: "العقل عضلة مثل عضلات بقية الجسد، تنمو بالتدريب وتضمر بالإهمال". لذا قرر تطبيقها على فلذة كبده!! رزق كارل بصبي اسماه شارلي صحيح الجسد معافى، ومنذ اليوم الأول لوصوله بدأ والده في إثبات نظريته وتجربته التي سرقت سني عمر الصبي ولم يترك للطفل ولا لوالدته فرصة العيش بسلام، كان لديه هاجس صناعة العبقرية من إنسان لم يولد في الأساس عبقريا بتدريب عضلات عقله! بدأ الأب تجربته الطويلة باستبدال العلاقة التي توضع فوق مهد الطفل وتحمل صور حيوانات أو نجوم أو ألعاب ملونة لإشغال الطفل وتسليته، بأخرى تحمل حروف الأبجدية الإنجليزية ومنع والدة شارلي المغلوبة على أمرها من غناء أغاني الأطفال لشارلي، وبدلا من ذلك كان يقوم بترديد حروف الأبجدية يوميا، وبالفعل تمكن شارلي من تمييز الأحرف بعمر الستة أشهر، وبعدها بدأت مرحلة أخرى وهي قراءة كتب باللاتينية والألمانية والفرنسية للطفل وتعليمه القراءة والكتابة وتلقينه الرياضيات والجبر وغيرها من العلوم. حتى تمكن شارلي وهو بعمر السنتين من قراءة الكتب باللغات الأربع وحل المسائل الرياضية المعقدة. وبعمر الأربع سنوات الذي هو عمر اللعب واستكشاف الذات واللهو مع الأقران لم يفعل شارلي أيا من ذلك، بل قام بتأليف كتابين باللاتينية وآخر بالإنجليزية!! وما أن بلغ التاسعة من العمر إلا وقد اجتاز المرحلة الثانوية بنجاح باهر وبمعدل يؤهله لدخول جامعة هارفرد ولكن الجامعة رفضت قبوله بسبب صغر سنه ولم تقبله إلا بعد بلوغه الـ14 وبعد أن أخضعته لعديد من الاختبارات. لقد غفل والده عن أن للعقل البشري حدا ولقدرة تحمل الصبي حدا أيضا، لم يدرك الأب أن ما فعله قد يدفع بابنه للجنون؛ وهذا ما حدث بالفعل فقد بدأ يعاني نوبات عصبية من الضحك الهستيري، انتابته إحداها أثناء إلقائه لخطبة تخرج في الجامعة وسقط على أرض القاعة يضحك بلا توقف والدموع تسيل من عينيه لأكثر من ربع ساعة. أدخل بعدها مصحة عقلية، لقد عاش طوال عمره منبوذا وحيدا رغم عبقريته المصنوعة، وخرج من المصحة فقيرا معدما ومات في أحد الملاجئ عند بلوغه الـ 40 بذات الرئة!!
إنشرها