نقاط حول الميزانية

|
صدرت الثلاثاء الماضي الميزانية العامة للدولة لعام 2019، التي تحدد خطط وسياسات الإنفاق والإيرادات لعام 2019، كما تتضمن بيانات شبه نهائية لمتغيرات ميزانية 2018. ويحوي بيان الميزانية معلومات وبيانات كثيرة، ويناقش قضايا مالية واقتصادية متعددة، تؤثر في مختلف نواحي الاقتصاد الوطني وتفاعلاته. وقد غطت وسائل الإعلام والمختصون تفاصيل الميزانية، وأثروا النقاش حولها عند صدورها. أما في هذه المقالة القصيرة، فيصعب التطرق إلى معظمها، وسيتم التطرق فقط إلى نقاط محدودة. تستخدم الحكومات ميزانياتها لتنفيذ سياساتها المالية. وتظهر في الميزانية مختلف أدوات السياسة المالية، كالإنفاق والضرائب والدعم والتحويلات والعجز المالي الذي يؤثر ويتأثر بالدين الوطني. وتفيد بيانات تقديرات إنفاق المملكة الحكومي الفعلي شبه المؤكدة لعام 2018 بتجاوزه للإنفاق المخطط في الميزانية المصدرة عند نهاية العام الماضي بنحو 52 مليار ريـال "أو نحو 5.4 في المائة من تقديرات ميزانية 2018". كما تفيد البيانات بتجاوز الإيرادات الفعلية الإيرادات المقدرة بنحو 112 مليار ريـال. ويتجاوز الإنفاق الفعلي عادة الإنفاق المخطط له في معظم الميزانيات الحكومية في كثير من البلدان بما فيها المملكة. وقد تجاوز الإنفاق الحكومي بقوة مستويات الإنفاق المخطط لها في الميزانية خلال سنوات طفرات الإيرادات، حتى تضخم أحيانا بنسب 25 في المائة فوق تقديرات الميزانية. ولهذا فإن إبقاء نسبة الإنفاق الفعلي فوق المخطط له بحدود 5 في المائة على الرغم من الزيادة الكبيرة في الإيرادات يعتبر إنجازا مقارنة بسنوات الوفرات المالية الكبيرة. كما أن استخدام الجزء الأكبر من الإيرادات غير المتوقعة لخفض العجز المالي يصب في اتجاه الرشادة المالية. وقد تم خفض العجز المالي بنحو 59 مليار ريـال عن المخطط في ميزانية 2018. نمت مساهمة الإيرادات غير النفطية بشكل ملحوظ خلال 2018، وكانت أبرز الزيادات في مجال تحصيل الضرائب. وارتفعت حصيلة الضرائب شبه المؤكدة عام 2018 بنحو 69 مليار ريـال، أو ما يمثل نسبة نمو تقارب 90 في المائة خلال عام 2018 مقارنة بمستواها في العام الذي قبله. وجاءت هذه الزيادة نتيجة فرض ضرائب ورسوم جديدة، وزيادة عدد من الضرائب والرسوم المطبقة سابقا. ومن اللافت للنظر أن التحصيل الفعلي يفوق تقديرات الميزانية لبعض الضرائب، وأبرزها ضريبة القيمة المضافة، التي تطبق لأول مرة. وهذا دليل على الالتزام الجيد من قبل الخاضعين للضريبة، وينبغي تسجيله كأمر إيجابي لدافعيها، حيث تعاني معظم دول العالم التهرب الضريبي. تؤكد بيانات ميزانية عام 2019 استمرار السياسات المالية على حالها، سواء في مجالات الإنفاق أو أنواع الإيرادات والسياسات المالية؛ حيث سيستمر التوسع في الإنفاق المالي لتحفيز الاقتصاد المحلي، وتوفير الخدمات الحكومية، كما سيستمر دعم الأسر من خلال برامج التحويلات العامة كحساب المواطن، أو المستهدفة للمحتاجين كالضمان الاجتماعي. وقد حدت برامج الدعم من تأثيرات تصحيح أسعار الطاقة، وضريبة القيمة المضافة في دخول معظم المواطنين. وتؤدي السياسة المالية الدور الأبرز في جلب الاستقرار الاقتصادي، وذلك من خلال تحفيز النمو المستدام، مع المحافظة على استقرار الأسعار. ويشكل الإنفاق الحكومي جزءا كبيرا من الناتج المحلي، كما يوفر الجزء الأكبر من الأجور، وفي الوقت نفسه يسهم بقوة في المشتريات المحلية وإجمالي الاستثمارات القومية. ولهذا فإن استهداف معدلات نمو متزنة في الإنفاق أمر ضروري لتحفيز الاقتصاد، مع ضرورة تجنب زيادات الإنفاق المفرطة. وتقود زيادات الإنفاق القوية إلى الضغط على معدلات التضخم ورفع الأسعار. ولا يخفى على أحد في المملكة تأثيرات السياسات المالية في كل القطاعات ورفاهية السكان. ويعزز نمو الإنفاق الحكومي داخل الاقتصاد الوطني الطلب الكلي على السلع والخدمات، ما يدفع النمو الاقتصادي، الذي يولد الوظائف، ويرفع دخول الأسر. كما تؤدي السياسة المالية الدور الأساس في سياسات توزيع الدخل في البلاد؛ حيث توفر الدعم للشرائح السكانية الأقل دخلا، سواء من خلال سياسات الدعم المباشر وغير المباشر، أو توفير الخدمات الحكومية المجانية كالتعليم والصحة، أو من خلال برامج التحويلات النقدية، أو دعم السلع الأساسية، أو توفير فرص الحصول على الائتمان المدعوم. ويمكن استخدام الضرائب أيضا بطريقة حصيفة لتحسين عدالة الدخل، من خلال تصميم ضرائب تستهدف مرتفعي الدخل والثروات، ومن ثم تحويل إيراداتها أو المنافع من إنفاقها لمصلحة الفقراء ومحدودي الدخل. يظهر بيان الميزانية استمرار الجهود لتطوير إعداد ونشر الميزانية، من خلال تبني نظام ميزانية البرامج والأداء الحديث؛ حيث صدرت لأول مرة تقديرات لميزانيات الأعوام الخمسة المقبلة. وهذا يوفر رؤية أفضل لبرامج الإنفاق الحكومي والسياسات المالية خلال المدى المتوسط حتى عام 2023، كما توفر للقطاع الخاص معلومات وصورة عن السياسات المالية في السنوات المقبلة، ما يساعد على إعداد خطط وتوقعات المستثمرين. كما تعطي ميزانية البرامج والأداء للقطاعات الحكومية مرونة أكثر في تنفيذ المشاريع وسياسات الإنفاق؛ حيث تستطيع بموجبها الاحتفاظ بفوائض إنفاقها للأعوام المقبلة بدلا من إرجاعها إلى وزارة المالية عند نهاية العام، كما هو معمول به في الأعوام السابقة. وكان عديد من الجهات يحاول إنفاق ما لديه من مخصصات عند نهاية العام على نفقات قد لا تكون حصيفة ماليا.
إنشرها