عقوبة التشهير هل تردع المخالف؟

|
في مقالات عدة تحدثت عن مفهوم الصراع والردع في ثنايا قضايا مختلفة، ذلك أن موضوع الصراع قضية ضخمة وتتداخل في عديد من الموضوعات، من بينها وليس بأقلها التشريع، وصناعة الأنظمة. وفي هذا الموضوع بالذات يظهر الصراع بين حماة المبادئ والقيم والأخلاق في المجتمعات وبين من يريد أن يخالفها، ولن أناقش هنا مسألة كيف تتم صناعة القيم داخل مجتمع ما "وهو صراع بلا شك"، ذلك أن العقد الاجتماعي المتفق عليه يحل هذه الإشكالية، كما لن أناقش الصراع مع أولئك الذين لا يريدون أن ينخرطوا في العقد الاجتماعي ويخالفونه ومبادءه ابتداء، فذلك صراع مختلف تماما، هنا أتحدث عن صراع بين طرفين كل منهما يقر بالعقد الاجتماعي ومبادئه، لكن تعارض المصالح والأهداف يجعل كل طرف يسعى "إما إلى إيجاد نظام يحقق له مصالحه" أو "أن يسعى إلى خرق نظام ليتحقق له ذلك". هنا سأحاول أن كون واضحا بقدر ما أستطيع، فكثير من الأنظمة التي تتضمن عقوبات جزائية للمخالفين، يطول حولها النقاش، فالجهة الحكومية التي وضعت النظام ابتداء تسعى إلى أحد أمرين، إما إلى إيجاد موارد أو أن تردع المخالف، وهنا يجد الصراع مكانه فإذا كان الهدف هو توفير موارد فإن هذه الجهة الحكومية المسؤولة عن تنفيذ النظام لن تضع عوائق حقيقية أمام من يريد أن يخرق النظام طالما أنه سيدفع ما يعزز لها مواردها، وهنا سيكون الإنجاز مقيسا بحجم الإيرادات المتحققة وليس بحجم الردع الذي حصل. ولا أريد هنا أن أضع أمثلة ذلك، لأن مثل هذه الأمثلة ستفسر خطأ، لكن إذا كنا نجد في بعض الأنظمة عقوبات تشمل الغرامة، فإن هذه الغرامة وحجمها تفسر وفقا للصراع ونظرية المباريات على أساس أنها قيمة "أو سعر" التجاوز، وكأن النظام يقول إن من يريد تجاوز هذا النظام فعليه أن يدفع مبلغا ما، ومرة أخرى لا أريد أن أضع أمثلة. لكن يمكن قراءة هذا بوضوح في عديد من الأنظمة، التي تشمل غرامات ليس الهدف منها الردع عن الوقوع في المخالفة بل الهدف منها هو دفع قيمة مقابل الاختلاف عن الآخر الذي التزم، وهنا إشكالية أساسية كما أشرت إليها أن يصبح تحقيق الإيرادات من الغرامات هدفا بذاته، ويتضح معنى حديثي عن النظام الذي يحقق هدفا، وليس ردعا. في المقابل نجد من يستخدم المخالفة من أجل أن يحقق تميزا عن الآخرين، وذلك لمجرد قدرته على تحمل أعباء المخالفة المادية، وهنا لعلي أكون صريحا، حيث إن التضخيم الذي وجد طريقه إلى "الديات في القتلى" قد أوجد فرصة للوقوع في المخالفات الجسيمة طالما يمكن تحمل أعبائها، ويبقى أولئك القادرون على ذلك أكثر من غيرهم "لظروف خاصة بهم" هم أكثر قدرة واحتمالا على ارتكاب المخالفة، هنا يظهر الصراع بكل وضوح في أن النظام لم يعد قادرا على تحقيق الردع بقدر ما أصبح يحقق مزايا القدرة على الدفع. النظام الذي هدف إلى الردع يجب ألا يمنح فرصة لأي طرف من أجل الاستفادة من ذلك، ولهذا فإن الردع يجب أن يصل إلى مستوى موارد لا يستطيع الشخص المرتكب المخالفة تحمل خسارتها، كما أن الآخر الذي يراقب الحدث يجب أن يشعر أن المرتكب المخالفة قد تحمل خسارة فادحة جدا أكبر بكثير من الفوائد التي حققها من المخالفة، بهذا فقط تعمل قيم المجتمع. يجب أن يتم تحليل العقوبات الموجودة في الأنظمة، بحيث تتضمن هذه الفكرة تماما، وهنا أشير إلى عقوبة التشهير التي بدأت تجد طريقها إلى الأنظمة بشكل واسع، وأنا شخصيا أعارضها بشدة، ذلك أنها تخرج عن فكرة الردع إلى فكرة تحقيق الأهداف، فهذه العقوبة لا يمكن فهمها لا من كونها غرامة وسعرا ولا من قبيل الردع، ذلك أنها لا تتضمن الردع، بمعنى أن معرفة الناس أن شخصا ما وقع شيكا بلا رصيد "مثلا" سيمنع غيره من القيام بذلك إذا احتاج. والاحتياج هنا هو تقييم الشخص لمخاطرة التشهير ومخاطرة منفعة الحصول على الأصل باستخدام شيك بلا رصيد "حتى لو أضيفت عقوبات أخرى"، أو لنقل إن شخصا ما يريد الغش التجاري، وقد قام بتقليد منتجات شركة مشهورة، فإنه سيفكر في مسألة التكلفة والعائد، والمخاطر من العقوبات التي تتضمن التشهير، وسؤالي الآن ماذا يعني أن يعرف الناس أن محلا ما يقلد منتجات مشهورة، ويبيعها، هل هذا سيردع غيره عن فعل التقليد. أعود وأقول إن أي نظام لا يحمل تهديدا بخسارة موارد تفوق المنافع لن يحقق ردعا، وفي نظري لا يمكن الدفاع عن التشهير بأنه ردع، وإذا كانت هذه هي الحال فعلا فلماذا تصر بعض الجهات على عقوبة التشهير وتمارس أعمالا في "تويتر" ووسائل التواصل الاجتماعي، من أجل نشر هذه المعلومات؟ كما أراه وأظنه، وللجميع الحق الكامل في التحفظ على ذلك، أن الهدف ليس الردع بل هو تحقيق مردود إعلامي للجهة التي قامت بعملية الضبط، بإعلان على نفقة المخالف، وكأنها تقول للعموم إنني موجودة وإنني قمت بذلك، وبهذا فإنني أصنف التشهير من باب الإيرادات للجهة الحكومية وليس من باب الردع، فالجهات التي ستعتبر التشهير ذا مردود إعلامي لن تعمل على ردع المخالفين بقوة، بل يهمها أن تكون هنا مباريات تنجح الجهة فيها دوما بتحقيق نصر التشهير، ولأن التشهير لا يحقق ردعا وهو عقوبة متجاوزة تتخطى الشخص إلى غيره ممن لم يقم بالمخالفة، لذا أرى إعادة النظر فيه، والله من وراء القصد.
إنشرها