الفساد سرطان لا يعترف بالحدود ويستنزف الاقتصاد

|
لماذا يؤدي الفساد إلى ضرر جسيم؟ لأن الناس يبدأون في الانفصال عن المجتمع حين يتسلل إليهم الاعتقاد بأن الاقتصاد لم يعد يعمل لمصلحتهم المطلوبة بشدة. ويؤدي تحويل الموارد بعيدا عن التعليم أو الرعاية الصحية إلى استدامة عدم المساواة والحد من إمكانية تحقيق حياة أفضل. وتبلغ التكلفة السنوية للرشوة وحدها أكثر من 1.5 تريليون دولار أمريكي ـــ أي نحو 2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي. ويشعر جيل الألفية بهذه المشكلة على نحو حاد. فقد كشف مسح أجري أخيرا لشباب العالم أن الشباب يعتبرون الفساد ــــ وليس الوظائف ولا الافتقار إلى التعليم ــــ أكبر بواعث القلق الضاغطة في بلدانهم. ولا تخلو هذه الرؤية من الحكمة؛ لأن الفساد هو السبب الجذري لكثير من مظاهر الظلم الاقتصادي التي يشعر بها الشباب والشابات كل يوم. ولهذا بدأ صندوق النقد مدعوما من كل البلدان الأعضاء يتفحص من جديد أثر الفساد في صحة الاقتصاد الكلي في كل بلد. وقد عملنا حتى الآن مع أكثر من 110 بلدان من أجل تعزيز جهودها في معالجة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وما هذا إلا جزء صغير من العمل الأوسع نطاقا المطلوب لدعم الحوكمة الرشيدة. فالاستثمار في المؤسسات أمر لا غنى عنه، وكذلك الإصرار على التحقق من قيام المؤسسات بالفعل بما يتعين عليها القيام به. وهناك نقطة جوهرية في هذا الصدد: فالفساد سرطان لا يعترف بالحدود. ولننظر مثلا إلى التكنولوجيا المالية وكيف بدأت تغير اللعبة الاقتصادية. فالابتكارات الجديدة ــــ ومنها العملات المشفرة ــــ يمكن أن يستخدمها مرتكبو الجرائم الإلكترونية لتوجيه التدفقات المالية غير المشروعة وتمويل الأنشطة غير المشروعة على مستوى العالم. وليست هذه مشكلة مقصورة على بلد واحد ولا هي مشكلة هينة يمكن لبلد واحد أن يتصدى لها. إنما هي مشكلة لا يمكن حلها إلا بالتعاون عبر الحدود. لكن هذا أمر يمكن إصلاحه بالفعل. فهذه الابتكارات نفسها التي تفرض تحديات عبر الحدود يمكن استخدامها أيضا لمساعدتنا على القيام بحرب مضادة. ومن خلال التقنيات البيومترية لتحديد الهوية، وتقنيات بلوك تشين وغيرها، يمكننا العثور على سبل مبتكرة لبناء نظام أفضل وأكثر أمانا على المدى الأطول. وتستطيع الحكومات، ويجب عليها، أن تعمل مع أفضل المهندسين في العالم لبناء نظم أقوى للأمن الإلكتروني يمكنها حماية الحسابات المصرفية للأفراد وحماية رخائهم. وهذه مصلحة مشتركة يجب أن ندعمها مختارين. فإذا تصدينا لتحدي الفساد، يمكن أن يكون ذلك نموذجا للتعاون في كل المجالات التي أشرت إليها. يمكن أن يكون ذلك إشارة لأن "الأخوة في الإنسانية"، على حد تعبير كينز، مستعدة مرة أخرى لتلبية نداء التاريخ. إلا أن هذه المرة ستقوم النساء بدور بارز! في الرابع من كانون الأول (ديسمبر) 1918 منذ 100 عام بالضبط، أبحر الرئيس وودرو ويلسون إلى فرنسا للمساعدة في التفاوض على ما كان يأمل أن يكون سلاما دائما. وقد أصبح أول رئيس أمريكي في السلطة يسافر إلى أوروبا. ومن بعض الأوجه، يمكن أن نُرجع إلى هذا التاريخ أصول الإبداع والفكر الاستشرافي في السياسة الخارجية الأمريكية. إنها تذكرة تدعو إلى التواضع، حيث تكشف لنا أن خططنا لا تنتهي في كل الأحوال كما ننوي. لكنها إشارة أيضا إلى أن علينا المحاولة مرارا وتكرارا للتغلب على الصعاب. يجب أن نبني على ما ينجح، ونغير ما لا يكتب له النجاح، ونتطور باستمرار، ونتحسن، ونتخيل مستقبلا أفضل للبشرية. إنها رؤية القادة الملهمين في هذا البلد وهي الرسالة التي سنظل نسترشد بها في قادم الأيام.
إنشرها