المشراق

الملز .. قصة الحي الخالد في الذاكرة السعودية «1»

حي الملز، وهو لمن لا يعرفه أشهر وأهم حي في مدينة الرياض طيلة عقود، ووصف بأنه حي المثقفين. هذا الحي لم يعرف ازدحام السيارات، ولم يعرف تجمعات السيول، شوارعه متسعة اتساعا لم تعهده الرياض القديمة، وصمم بطريقة رائعة، وبيوته مختلفة عن بيوت الرياض السابقة، إذ كانت غالبية بيوت الملز على شكل فيلا، كما كان فيه عند نشأته بنايات متعددة الطوابق، فهو أول الأحياء الحديثة في المدينة. ويقع هذا الحي اليوم وسط مدينة الرياض، أما عند إنشائه فقد كان متنحيا عن أحياء الرياض بعض الشيء، ثم سرعان ما التحم بها بعد سنوات قليلة. وسمي بهذا الاسم لأن سباق الخيل يقام فيه، فكلمة لز الفرس أي أسرع بها في الجري عند السباق، فالملز اسم حديث ظهر في نهاية عهد الملك عبدالعزيز. أما قبل ذلك فقد كان هناك عدة مسميات لأماكن في هذا الحي، منها أبو مخروق، نسبة إلى الجبل الذي ساد بين كثير من أهل الرياض أنه مكان للجن والشياطين. ويذكر فيلبي أن الجبل يسمى المخروق، أما الروابي المحيطة به فتسمى أبو مخروق، إلا أن كلامه غير دقيق فالذي يتضح لي من خلال روايات عديدة سابقة على عام 1373هـ أن الجبل وما حوله من أماكن، كلها تسمى أبو مخروق. وهناك قسم آخر من الملز يسمى قديما الوطاة، وهذا الاسم يطلق على المكان المنخفض عما حوله. أما قديما في الجاهلية وصدر الإسلام فربما كان يسمى الملز أو جزء منه بالخرْبة، إذ ينقل ياقوت الحموي وصفا لجبل بهذا الاسم ينطبق على جبل أبو مخروق، ويقول "وجدت في كتاب أبي جعفر محمد بن إدريس بن أبي حفصة في مناهل اليمامة قال فيه: إذا خرجت من حجر تريد البصرة فأول ما تطأ السفح ثم الخربة ثم قارات الحبل ثم بطن السلي ثم طار ثم عيان ثم روض القطا ثم العرمة وهذه كلها من أرض اليمامة"، وفي موضع آخر يقول "الخرْبة: قال الحفصي إذا خرجت من حجر وطئت السلي فأول ما تطأ هو موضع يقال له: الخربة وهو جبل فيه خرق نافذ بالنبك". ويرى الشيخ حمد الجاسر والشيخ عبدالله بن خميس، وتابعهما آخرون أن الخرْبة هو الاسم القديم لجبل أبو مخروق. ورأيهما وجيه من ناحية؛ فوصف مكان جبل الخربة وشكله ينطبق على جبل أبو مخروق، لكن المكان كله المحيط بالجبل يسمى الخربة، وليس الجبل فقط.

قبل العمران
كان الملز قبل عام 1373هـ متنزها لأهل الرياض، إذ كان خاليا من السكان، ولا بناء عليه، كما يقام فيه سباق الخيل. وبدأت نشأة الملز عام 1374هـ، وكان أول شارع فيه كما ذكر المعاصرون لتلك الحقبة هو شارع الجامعة الذي يربط الرياض الجديدة بالقديمة، وكان اسمه في البداية شارع سباق الخيل، وبعد قيام جامعة الملك سعود عليه عام 1377هـ تغير اسمه إلى شارع الجامعة. وترتبط نشأة هذا الحي ببناء مدينة الموظفين التي أنشئت في الأصل لموظفي الحكومة، وكثير منهم كان قد انتقل حديثا من مدينة جدة إلى الرياض مع قرار الملك سعود بنقل الوزارات إلى الرياض، وتأسيس وزارات جديدة، ما سبب أزمة سكن في الرياض، وجاء هذا المشروع ليحل الأزمة.
يخترق هذا الحي شارع عمره اليوم أزيد من 60 سنة، ولا يزال حتى يومنا هذا من أجمل شوارع الرياض، وهو شارع الستين، وسمي بذلك لأن عرضه 60 مترا، وتغير اسمه لاحقا إلى طريق صلاح الدين الأيوبي، على أن كثيرا من الناس ما زالوا يسمونه باسمه الأول.
حي الملز نتاج جهود جبارة بذلها الأمير فهد الفيصل والفريق الذي عمل معه في أمانة الرياض حين كان أمينها. سمي هذا الحي في بداياته بالرياض الجديدة، ثم تغير إلى حي الملز.
يقول الأمير فهد الفيصل عن نشأة حي الملز "بدأنا به فيما أظن في نهاية سنة 1374هـ، لأننا كنا نرغب في التجهيز للموظفين الذين يرغبون في الانتقال مع الوزارات من جدة حتى يجدوا المسكن الجاهز، إذ لم يكن في الرياض مساكن، أما تسميته بالملز فهي مأخوذة من لزيز الخيل في حزم بنِي فيه جدار لذلك، وقد شرعنا في بناء ألف مسكن "فيلا"، وكانت ما بين صغيرة وكبيرة، يضاف إلى ذلك عشر عمائر أخرى، أقمنا المساجد فيها، والملعب، والملز "سباق الخيل"، والمدرج الكبير الموجود الآن، وقد كان ذلك على حساب المقاولين، وأشك في أنكم تصدقون ذلك، فقد كنت أتفق معهم على أن يبنوا ويسلموا دون أن أدفع لهم أي مبلغ، وإذا تسلمتها منهم قمت بتأجير بعضها وبيع بعضها، ثم أدفع إليهم قسطا أو قسطين من المبلغ، وقسطا بعد سنتين أو ثلاث، بناء على الاتفاق الذي أبرمته معهم، وقبلوا به". وعن أكبر شوارع الملز يقول "وقد افتتحنا شارع الستين في الملز، وكان أكبر شارع في وقته، إذ لم يكن يماثله أي شارع آخر في المملكة، ولا حتى في الشرق الأوسط، وقد كانوا يقولون مستنكرين: هذا ليس بشارع، هذا بلد". وفي مذكراته الصوتية يضيف فهد الفيصل أنه "بنى حي الملز على مسؤوليته الشخصية، وأن العقود وقعت معه، وأنه مشروع كبير ومهم".
وعن حي الملز يقول بيتر هاريقان "ظهرت أولى الضواحي البعيدة نسبيا عن المدينة القديمة في ناحية تدعي بحي الملز، شرقي الطريق التي تصطف عليها الوزارات. وتولت الهيئات الحكومية تطويرها، وعملت فرق البناء على مساحة تبلغ خمسة كيلو مترات مربعة، وفق مخطط شبكي منظم، فشهدت الرياض آنذاك، لأول مرة ظهور نوع من المنازل، "الفيلا المستقلة"، إذ تم بناء 750 فيلا، وعدة عمائر سكنية حول الشوارع المزدانة بالأشجار في الملز، وتميزت بطراز يصفه صالح الهذلول بأنه "متوسطي عالمي". وعرفت ناحية الملز باسم الرياض الجديدة. فحداثة تصاميم البناء فيها كانت جذرية – وغالبا غرائبية - كما بدت واجهاتها الخارجية وألوانها واستخدامات المساحات الداخلية. فكان ذلك أول ابتعاد كبير للرياض عن نظامها القديم القائم على التخطيط التقليدي لمدينة إسلامية ضمن حدود مسورة، تضم بيوتا ذات أفنية داخلية، وطرقا ضيقة ومتاهة من الأزقة تؤمن الظل للمشاة".
وصف الشيخ عبدالله بن خميس حي الملز في كتاب صدر عام 1398هـ، فقال "حي عصري، تكتنفه الدارات، توشح ساحاتها الزهور، وتسمق الأشجار، وتسطع الأنوار، وتغص الشوارع بالسيارات، وتندلق بالمشاة". وعن الملز قال الكاظمي عام 1381هـ "حي يعرف الآن بالملز أو البحر الأحمر نسبة إلى الشركة التي تولت بناء مساكن هذه المنطقة. وتقع هذه المساكن حول تل أبي مخروق، وكان في الماضي – أي قبل 15 سنة أو قل 11 سنة - أرضا صحراوية يخرج إليها الناس بعد العصر للنزهة، أما الآن فقد أصبح من أكبر أحياء الرياض وأحسنها". وزعمه أنه كان يسمى حي البحر الأحمر غير دقيق، فجزء من الملز عرف بذلك وليس كل الملز. وكان لهذا الحي عمدة مسمى وظيفته "عمدة منطقة البحر الأحمر والملز". فالملز هو الحي الكبير، وفي داخله أحياء أصغر، ومنها حي الزهراء، وكان يقع قديما جنوب شارع جرير.

مثالا يحتذى
وقد أصبح حي الملز لروعته وجودة تصميمه مثالا يحتذى لكثير من الأحياء التي جاءت بعده في مدينة الرياض وغيرها من المدن السعودية. تقول الدكتورة مضاوي الهطلاني "كان لحي الملز أو منطقة الملز أثر واضح في حجم مدينة الرياض، فقد امتدت لتغطي 500 هكتار حتى صارت مدينة قائمة بذاتها، كما يتضح من تسميتها بالرياض الجديدة. لكن الشيء الذي لم يكن في الحسبان هو الأثر الذي ستتركه في السنوات اللاحقة على نمو التنمية العمرانية في مدينة الرياض، بل وعلى مدن المملكة كلها. فمع تشييد الملز استحدثت أنماط وأساليب جديدة في التخطيط والبناء، إذ غدا النظام الشبكي للشوارع كنمط تخطيطي، والفيلا كنوع جديد من أنواع المساكن نموذجا يحتذى بهما في عملية تطوير البيئة العمرانية التي جرت فيما بعد".
كان حي الملز، أو الرياض الجديدة حديث الناس وحديث الصحافة في المملكة وخارجها. وكان السكن فيه، والحصول على إحدى فلله أمنية لكثير من الناس، واشتهر بيت شعر قاله أحد الشعراء يعبر عن سروره بامتلاك فيلا جاءته هدية، وزاد من سروره أنها تقع في أحد أحياء الملز الراقية:
جتني هدية فلةٍ كاملة
في البحر الأحمر بالملز يا سلام
لقد خطط فهد الفيصل الملز بإبداع كبير، فإضافة إلى شوارعه الواسعة، وفلله وعمائره المتميزة، حرص على تصريف السيول والمجاري، وعلى الحدائق، وتشجير الشوارع، وإضاءتها، وعلى إيصال الخدمات إليه. وعند تخطيط الملز حرص على أن يخصص مجموعة من الأراضي للمرافق الحكومية وغيرها. وحدثني عدد ممن عاصر تلك الحقبة أنهم كانوا إذا أقبلوا على الملز قادمين من الأحياء الأخرى يشعرون وكأنهم دخلوا في غابة لكثرة الأشجار فيه.
على الرغم من أن الطفرة غيرت وجه الملز الذي بناه فهد الفيصل، فزالت كثير من منازله القديمة، إلا أن بعضها لا يزال قائما، ولا زال المعاصرون لتلك الحقبة يروون عن روعة الملز تخطيطا، وشوارع، وبيوتا، وأشجارا. وفي عام 1430هـ اعترض الكاتب سعود الأحمد على مشروع طرحته هيئة الإسكان، فذكرها بما فعله فهد الفيصل، وكتب يقول "ويحكي لي أحد قدامى الموظفين الذين عاصروا ما يسمى بسكن الموظفين في مدينة الرياض في عام 1960، أن الوحدات السكنية فيه كانت عبارة عن فلل بعدة مقاسات بعضها مساحته 750 مترا، وبكامل منافعها... وكان ذلك المشروع في حي جديد سمي بحي البحر الأحمر، وكان من أجمل أحياء الرياض... وانظر إلى حسن تخطيطه وسعة شوارعه".
بعد الملز بنصف قرن قامت أحياء جديدة في الرياض وخارجها، كانت سيئة التخطيط، ضيقة الشوارع، فتعجب كثير ممن مر بها، وارتبطت في عقولهم مقارنة بين الملز الذي أصبح قديما، وبين هذه الأحياء الجديدة، وكثيرا ما عبروا عن ذلك في أحاديثهم.
لقد علق حي الملز في أذهان أهل الرياض، ولا سيما من سكن هذا الحي، وأغلبهم رحل عنه، فكتبوا عنه كثيرا، وتحدثوا عنه أكثر.

حدودها
لا يمكننا تحديد حدود حي الملز بدقة، فقد ازداد توسعا بعد رحيل فهد الفيصل عن "الأمانة"، ولم تحدد "الأمانة" في السنوات التالية مساحة حي الملز أو حدوده، فأصبحت البيوت الجديدة تدخل في نطاق حي الملز. لذلك تغيرت مساحته ومسميات بعض أحيائه وشوارعه عدة مرات. وأسلفت أنه عرف أول نشأته باسم الرياض الجديدة. وكما أن "الأمانة" لم تكن دقيقة في التحديد، فإن عرْف الناس في تحديد هذا الحي لم يكن متفقا عليه. ولما استقرت "الأمانة" في السنوات الأخيرة على تسمية الأحياء ألغت مسمى حي البحر الأحمر، وقلصت من حجم الملز، فحي الزهراء، وحي الضباط، وحي جرير، وجزء من حي الربوة، كلها كانت في عرف كثير من الناس تدخل ضمن نطاق الملز.
وحتى حي البحر الأحمر لم يكن هنا اتفاق على حدوده، فالبعض يرى أنه محدود بأربعة شوارع: الأحساء، والأربعين، والستين، وجرير، ويدخل فيه ما كان على الجانب الآخر من شارع جرير، بينما يرى آخرون أنه يمتد شمالا إلى طريق خريص، وجنوبا حتى ملعب الكرة.
أما حدود الملز حتى عام 1395هـ، فيبدو لي أنه محدود بعدة شوارع، هي: طريق خريص، وشارع الملك سعود "شارع المطار القديم"، وطريق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وطريق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وشارع الأحساء وما خلفه شرقا.

شوارعه ومبانيه الشهيرة
يتميز حي الملز عن سائر أحياء الرياض القديمة، وأحياء المدن السعودية بشوارعه الفسيحة بمقاييس تلك الحقبة، وغالبها مضاء ومرصوف ومشجر. ومن أشهر هذه الشوارع التي قامت في الملز عند نشأته وفي سنواته الأولى: شارع الستين، وشارع الأحساء، وشارع الجامعة، وشارع الأربعين، وشارع الظهران، وشارع جرير، وشارع المتنبي، وشارع الفرزدق، وشارع الأمير عبدالله الذي سمي لاحقا بشارع الأمير عبدالمحسن بن عبدالعزيز، وعرف شعبيا باسم شارع الكهرباء، وشارع الأميرة صيتة، وغيرها. كما أنشأت الأمانة في حي الملز في بدايته عديدا من المباني التي علقت في ذاكرة سكان الرياض وغيرهم؛ كالمبنى الأول لجامعة الملك سعود، ودار الكتب السعودية، وبهو الأمانة، ومدينة الموظفين، وعمارات الأمانة للعزاب، وكانت على جانب شارع الستين ثلاث عمائر كبيرة منها، أصبحت معلما من معالم الرياض أزيد من ربع قرن، ثم هدمت بعد ذلك، وحديقة الحيوان، وحديقة أو متنزه مدينة الرياض الجديدة، والنادي الرياضي، والمدرج الشعبي، وميدان سباق الخيل، وغيرها. ومما يتذكره أهل الرياض من المشروعات المهمة التي قامت في هذا الحي شركة التموين الأهلية التي أسست المخبز الآلي، الذي كان الأول من نوعه في الشرق الأوسط، وكذلك مصنع تدوير النفايات الذي حول القمامة إلى سماد عضوي وهو أيضا الأول من نوعه في الشرق الأوسط، ومما يؤسف له أن هذين المشروعين الرائدين لم يستمرا بعد رحيل مؤسسهما عن عمله، بل طالتهما أيدي الإهمال حتى أصبحا أثرا بعد عين. هذه المقالة تتحدث عن حي الملز في سنواته الأولى، وقد حدث فيه بعد هذه السنوات كثير من التغيرات مما لم تعرض له هذه المقالة. والصورة المرفقة كلها التقطت في عام 1381هـ فما قبل ما عدا صورة شارع الجامعة فربما التقطت بعد هذا التاريخ بعامين أو ثلاثة.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق